د.نادي شلقامي
لم تكن المشاركة المصرية الأخيرة في بطولة كأس العرب على قدر التطلعات الجماهيرية، بل شكلت خيبة أمل كبيرة للمتابعين. فبعد مسيرة تاريخية حافلة بالانتصارات، بدا المنتخب المصري بعيداً عن مستواه المعهود، مما أثار تساؤلات حتمية حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الأداء المتواضع. إن تحديد الجهة المسؤولة عن هذا الإخفاق ليس مجرد عملية لتبادل الاتهامات، بل هو خطوة أولى ضرورية نحو التصحيح وبناء استراتيجية كروية مستدامة للمستقبل.
— دوائر المسؤولية المتشابكة
إن تحليل إخفاق منتخب بحجم مصر في بطولة إقليمية يتطلب النظر إلى سلسلة من العوامل المتداخلة التي تقع ضمن ثلاث دوائر رئيسية للمسؤولية:
1. دائرة الجهاز الفني والقيادة:
يتحمل الجهاز الفني بقيادة المدير الفني (حلمي طولان) الجزء الأكبر من المسؤولية المباشرة. ويتركز الإخفاق هنا في نقاط جوهرية:
1-1- سوء التكتيك وإدارة المباريات:
ظهرت على الفريق علامات التردد في تبديل الخطط، والتأخر في إجراء التغييرات الحاسمة، والاعتماد على تكتيكات لا تتناسب مع إمكانيات اللاعبين المتاحين أو طبيعة المنافسين.
1-2- اختيار العناصر وعدم التجانس:
أثيرت تساؤلات حول استبعاد بعض اللاعبين الذين كانوا في قمة مستواهم، وتضمين آخرين لم يظهروا الانسجام المطلوب أو لم يكونوا جاهزين بدنياً وذهنياً لضغط البطولة.
1-3- الإعداد الذهني والنفسي:
بدا الفريق متأثراً بالضغط الجماهيري والإعلامي، وغاب عنه الروح القتالية والصلابة الذهنية المطلوبة في بطولات خروج المغلوب.
2– دائرة اللاعبين والتنفيذ داخل الملعب:
لا يمكن إعفاء اللاعبين من جزء من المسؤولية، فهم المنفذون الأولون للتوجيهات، وقد ظهرت عليهم مظاهر سلبية واضحة:
2-1- الأداء الفردي الباهت:
لم يرتقِ أداء عدد من النجوم الأساسيين إلى المستوى المأمول، وظهرت أخطاء فردية قاتلة أدت إلى استقبال أهداف سهلة.
2-2- غياب الروح القيادية:
لم يبرز في الفريق قائد حقيقي قادر على لم شمل المجموعة وتحفيزها داخل المستطيل الأخضر في الأوقات الصعبة.
2-3- غياب الفعالية الهجومية:
عانى الفريق من مشكلة واضحة في إنهاء الهجمات واستغلال الفرص، مما عكس ضعفاً في التدريب على الكرات الثابتة واللمسة الأخيرة.
3– دائرة الاتحاد والتخطيط الاستراتيجي:
تعتبر هذه الدائرة هي الأساس الذي يُبنى عليه نجاح أو فشل المنظومة الكروية ككل:
3-1- الرؤية قصيرة المدى:
غالباً ما يتم تغيير المدربين والخطط بناءً على نتائج مباريات محدودة، مما يمنع بناء هوية كروية واضحة للمنتخب على المدى الطويل.
3-2- دعم البنية التحتية والمواهب:
لا يزال هناك تقصير في تطوير قطاعات الناشئين، والاعتماد بشكل مفرط على لاعبين محترفين دون بناء قاعدة محلية قوية ومستمرة.
3-3- قرارات إدارية متأخرة أو غير موفقة:
التأخر في حسم ملف المدير الفني، أو التدخلات الإدارية في الشؤون الفنية، تؤثر بشكل مباشر على استقرار الفريق.
إن إخفاق كأس العرب هو نتيجة تراكمية لخلل في جميع دوائر المسؤولية المذكورة. لكن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الاتحاد المصري لكرة القدم الذي يملك السلطة التخطيطية والرقابية لضمان الاستقرار الفني والإداري. يجب اعتبار هذه البطولة نقطة تحول وليس مجرد كبوة عابرة.
توصيات موجزة لخطوات التصحيح:
1- الاستقرار الفني طويل الأمد:
اختيار مدير فني بكفاءة عالية ومنحه عقداً طويلاً (لا يقل عن 3 سنوات) لفرض أسلوب لعب ثابت وبناء جيل جديد.
2- مراجعة شاملة لقطاعات الناشئين:
تخصيص ميزانية ضخمة لتطوير الأكاديميات والاهتمام بالمدربين الصغار لضمان تدفق مستمر للمواهب.
3- فصل القرار الفني عن الإداري:
منح المدير الفني صلاحيات كاملة في اختيار اللاعبين والجهاز المعاون، بعيداً عن أي تدخلات إدارية.
4- برامج إعداد ذهني متقدمة:
إلحاق اللاعبين ببرامج تدريب ذهني متقدم للتعامل مع ضغط البطولات الكبرى والمحافظة على التركيز حتى صافرة النهاية.
