كتبت نجده محمد رضا
يُعدّ عمرو بن ودّ العامري أحد أشهر فرسان العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، وقد عُرف بقوته الجسدية الهائلة، وشجاعته المُفرطة، وتمرّسه في المبارزة حتى لُقب بـ«فارس يَليْل». وقد ظل اسمه حاضرًا في ذاكرة التاريخ بفضل مواجهته الخالدة مع الإمام علي بن أبي طالب – رضى الله عنه – في غزوة الأحزاب، تلك الضربة التي صارت رمزًا لانتصار الحق على القوة الغاشمة.
من هو عمرو بن ودّ؟
اسمه ونسبه
عمرو بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حُشَم بن عامر بن لؤي، من كبار فرسان قبيلة قريش ومن بني عامر بن لؤي.
مكانته في الجاهلية
كان من أبطال العرب الذين تُضرب بهم الأمثال في الإقدام. وقيل إنه كان يعدل بألف رجل في القتال، وكانت القبائل تستعين به في المعارك لحسم النتائج.
صفاته
قوي البنية، شديد الأسر، سريع الحركة، يثق بنفسه إلى حدّ المبالغة، لكنه كان ملتزمًا بقواعد الفروسية العربية.
بطولاته في الجاهلية
قبل الإسلام شهد عمرو عدة معارك كبرى منها
حرب الفِجار
برز فيها منذ شبابه، وأظهر قدرة فائقة على المبارزة.
كان معروفًا بمهارته في تخطي الخنادق والاقتحام وهو ما ظهر لاحقًا في غزوة الأحزاب.
وقد تعرّض في إحدى حروبه لإصابة بليغة كادت تودي بحياته، مما جعله يُعرف بالفارس الذي «نجا من الموت مرتين».
موقفه من الإسلام والمسلمين
كان عمرو بن ودّ من أشدّ معارضي الإسلام في بدايات الدعوة، ورأى في انتشار الدين الجديد تهديدًا لنفوذ قريش. ولذلك كان موقفه عدائيًا تجاه المسلمين، وشارك في عدة محاولات لوقف توسع الدولة الإسلامية الناشئة.
عمرو بن ودّ في غزوة الأحزاب
عبور الخندق الشرارة الأولى
في غزوة الأحزاب عام 5 هـ، حين حاصرت قريش وحلفاؤها المدينة المنورة، كان الخندق الذي اقترحه سلمان الفارسي عقبةً كبرى أمام المشركين.
غير أن عمرو بن ودّ، بما عُرف عنه من جرأة، استطاع القفز فوق الخندق في مكان ضيق، ومعه نفر من الفرسان، فزرعوا الرعب في صفوف المسلمين.
نداء المبارزة
وقف عمرو بن ودّ متحديًّا المسلمين وقال بصوته الجهوري
«هل من مبارِز؟»
تردد الكثير من الصحابة نظرًا لشدّة بأسه، إلا أن علي بن أبي طالب – وهو في العشرينات من عمره – تقدّم بثبات
وحاول الرسول ﷺ أن يثنيه لصغر سنه أمام عمرو الذي بلغ الستين تقريبًا، لكن عليّ أصرّ وقال:
«أنا له يا رسول الله».
المبارزة التاريخية
دار بينهما قتال عظيم، تداخلت فيه السيوف وارتفعت العجاجة، حتى تمكّن عليّ من قتل عمرو بضربةٍ حاسمة شهيرة.
وقد قيل في ذلك
«ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين.»
ليس توثيقًا حديثيًا مُحكمًا، لكنه شائع في كتب السِّيَر، ويعكس عظمة الحدث وتأثيره
أثر مقتله على سير المعركة
كان لسقوط عمرو وقعٌ نفسي رهيب على جيش الأحزاب
تراجع آخرون كانوا معه
تزلزلت معنويات المحاصرين.
ارتفعت معنويات المسلمين بشكل كبير.
أعقبها هبوب الريح التي فرّقت الأحزاب، فانتهى الحصار.
وهكذا مثّل موت عمرو نقطة تحوّل استراتيجية في واحدة من أخطر معارك المسلمين.
أقوال المؤرخين فيه
ابن هشام: «من أشجع العرب وأثبتهم قدمًا في الوغى.»
الواقدي: «كان عمرو بن ودّ يعدل بألف فارس.»
ابن كثير: «كان قتله على يد علي شهادة بفضل عليّ وشجاعته.»
لم يكن عمرو بن ودّ شخصيةً عابرة في تاريخ العرب بل كان رمزًا للشجاعة الجاهلية وللفارس الذي لا يهاب الموت ورغم معارضته للإسلام فقد خلد التاريخ ذكراه بسبب تلك المبارزة العظيمة التي صارت علامة فارقة في السيرة النبوية.
وبقي اسمه شاهدًا على مرحلةٍ شكلت ملامح القوة والتحول في تاريخ الأمة
