بقلم السيد عيد
ليس الدين طقسًا نؤديه ثم نعلّقه على مشجب الحياة ونمضي، وليس لافتة تُرفع عند الحاجة، ولا زينة تُعلَّق على الجدران لتدلّ على الصلاح. الدين ـ في جوهره ـ حالة وعي، وموقف أخلاقي، واختيار يومي صعب في عالم سهل الانزلاق.
الدين أعمق من الصورة، وأبقى من المظهر، وأصدق من الادّعاء. هو أن تقول الصدق حين يصبح الكذب هو العملة الرائجة، وأن تعدل حين تميل الكفّة لصالحك، وأن ترحم وأنت قادر على القسوة، وأن تعفّ وأبواب الشهوة مشرعة بلا حارس.
هنا فقط يبدأ الدين.
كم من ركعاتٍ لم تمنع صاحبها من الغيبة؟ وكم من صيامٍ لم يكبح يدًا عن الظلم؟ وكم من حجٍّ لم يُسقِط عن القلب ثقل الكِبر؟ ليست المشكلة في العبادة ذاتها، بل في انفصالها عن معناها، فالعبادة التي لا تُهذّب النفس، ولا تُلين القلب، ولا تُصلح السلوك… عبادة ناقصة الروح.
السجود ليس عددًا يُحصى، بل أثرًا يُرى، والتوبة ليست دمعة عابرة، بل تحوّلًا داخليًا يغيّر الاتجاه، والدين لا يُقاس بكثرة ما نؤديه، بل بمدى ما نُصلحه في أنفسنا ومن حولنا.
قالوا قديمًا: الدين خُلُق، ومن فاته الخُلُق، فاته الدين، مهما ازدانت حياته بالشعائر.
ولم يكن هذا المعنى بعيدًا عن روح الرسالة؛ فالنبي ﷺ، وهو قمة التدين، اختصر الطريق حين قال: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»، وجعل معيار القرب منه يوم القيامة ليس كثرة النوافل، بل حُسن الخُلُق.
الدين لا يُرى في طول اللحية، بل في صدق اللسان، ولا في شكل الثوب، بل في نقاء القلب، ولا في ارتفاع الصوت بالموعظة، بل في خفضه عند الغضب. الدين أن تكون أمينًا حين لا يراك أحد، وعادلًا حين لا يُجبرك قانون، ونبيلًا حين لا تنتظر شكرًا.
في عالم امتلأ بالضجيج الديني، وقلّ فيه الصدق الإنساني، نحن في حاجة إلى دين يُترجم إلى سلوك، وإلى إيمانٍ يمشي بين الناس بلا ادّعاء، وإلى أخلاقٍ تُطمئن القلوب قبل أن تُقنع العقول.
فكن جميلًا في خُلُقك، لأن الجمال الحقيقي لا يُصلَّى له، بل يُعاش.
الدين… حين يصبح خُلُقًا يمشي على قدمين
1.7K
