بقلم:أسامة إبراهيم
بعد سنوات طويلة من الخطابة، والتعليم، والجدل، وبعد احتكاك مباشر بمختلف البيئات الاجتماعية، والتيارات الفكرية، والمذاهب الدينية داخل مصر وخارجها، انتهيتُ إلى نتيجة واحدة، قاسية ومزعجة:
أن أخطر ما أُصيب به الإسلام في عصرنا ليس من خصومه، بل من أنصاره. لقد نجحنا — بامتياز — في تحويل الدين من سؤال وجودي عميق إلى إجابات محفوظة ومعلبة، ومن تجربة روحية أخلاقية إلى منظومة انضباط قهري، ومن خطاب مَعْنَى إلى خطاب سلطة و وصاية.
التدين السائد اليوم لا يبحث عن الحقيقة، بل عن اليقين السريع؛ لا يتحمل القلق المعرفي، ولا يطيق الأسئلة،
فيستبدل التفكير بالطاعة، والفهم بالتلقين، والإيمان بالانتماء.
وهنا تبدأ الكارثة.!!!
لقد اختُزل الوحي في نصوص مبتورة من سياقاتها، واختُزل النص في حروفه لا مقاصده، واختُزلت المقاصد في فتاوى،
ثم تحولت الفتاوى إلى هويات قتالية وإلى ملئ فراغ مجهول.
هكذا لم يعد السؤال: “كيف نكون أصدق مع الله؟” بل: “من معنا ومن ضدنا ؟!”.
إن الدين، في جوهره، ليس نظام ضبط اجتماعي، بل مشروع تحرير داخلي وحين يتحول إلى أداة قمع أخلاقي، فهو يفقد مبرره الوجودي. لقد قدّمنا إسلامًا يُطالب الناس بالكمال، ويُعاقبهم على إنسانيتهم، ثم استغربنا لماذا يتمردون عليه أو يفرّون منه؟! يا سادة هذا ليس فشل الأفراد، هذا فشل الأنموذج المقدم.
أهم سمات الدين [البساطة]؛ فالدين بسيط للغاية والتعقيد ليس عمقًا، وكثرة الأحكام ليست دليلاً على التقوى.
يزعجني كثيرا كثرة فتاوى الناس على موقع دار الإفتاء بهذا الكم الهائل من الأسئلة.
الدين الذي لا يمكن فهمه إلا عبر وسطاء، ولا يُمارس إلا تحت رقابة، هو دين فاقد للثقة في الإنسان وفاقد للثقة في الله معًا.
كذلك من أهم المعايير في الدين هو معيار[الرحمة]بوصفها معيار الحقيقة، وأي قراءة للدين لا تنتهي بالرحمة، هي قراءة كاذبة مهما كثرت نصوصها؛ لأن الله– منطقيًا ولاهوتيًا– لا يمكن أن يرسل رسالة خلاص تجعل أغلب البشر مشاريع إدانة أبدية.
وهناك معيار[العقل] بوصفه ضرورة إيمانية؛ فالعقل ليس ترفًا، ولا بدعة، ولا خصمًا للنص؛ بل شرط إمكان فهمه ومن يطالب بإلغاء العقل باسم “التسليم”، فهو في الحقيقة يطالب بتسليم عقله هو للشيخ، أو الجماعة، أو التراث المؤدلج.
لقد آن الأوان لقول الحقيقة بلا مواربة: أن كثيرًا مما نُسمّيه “ثوابت دينية” هو في الواقع اجتهادات تاريخية أُلبست لباس القداسة وأن الدفاع عنها اليوم ليس دفاعًا عن الدين، بل عن سلطتها الرمزية التى تتحدث علنا بأنها موقعة عن الله في الأرض..!!
إن أخطر أنواع الكفر ليس إنكار وجود الله؛ بل تشويه صورته في وعي الناس؛ فإما أن نعيد بناء فهمنا للدين على البساطة، والرحمة، والعقل، أو نواصل إنتاج تدينٍ يصنع مؤمنين بلا أخلاق، ومتدينين بلا إنسان ومظاهر بلا جوهر، كتلك التي من أجلها يجمعون التبرعات لنشر لافتات الصلاة على النبي بقارعة طريق ممتلئ بالقمامة أو كهؤلاء الذين يحرضون على سرعة التبرع لإعداد زينة رمضان على مآذن المساجد المحملة بميكروفونات زاعقة بدعوى روحانيات رمضان، بينما مشافي الناس تعاني من نقص حاد للمستلزمات الطبية للمرضى..!!
هذا -إن شئنا الصدق- أقسى حكم يمكن أن يُدان به دينٌ جاء أصلًا ليُنقذ الإنسان.
