د.نادي شلقامي
في زمن تسارعت فيه إيقاعات الحياة، واشتدت فيه الضغوط، وتشابكت العلاقات، أصبحت النفوسُ مرتعًا لأمراض خطيرة تُنهك القلوبَ وتُفسد العلاقاتَ وتقوّض المجتمعات: الغل، والحقد، والحسد. هذه الأمراض الخبيثة لا تُمرض القلبَ فحسب، بل تمتد آثارهـا السامة لتشلّ جوارح الإنسان، فتصيبه بالمرض النفسي والجسدي، وتُفكك نسيج المجتمع. إنها سمومٌ تأكل الحسنات، وتُظلم النفس، وتقطع الأواصر. ولذلك فإن “تصفير” هذه الآفات ليس ترفًا روحيًا، بل هو ضرورة إنسانية واجتماعية ودينية، تبدأ بقلب الفرد لتنعكس على سلام المجتمع بأكمله. إنها عملية إنقاذ للذات من السجن الداخلي، وتحريرٌ للطاقة الإيجابية الكامنة في كل إنسان.
أولا…. تعريف الغل والحقد والحسد
— الغل: هو شدة العداوة والبغضاء، وهو الحقد المتراكم الذي يملأ القلبَ بالضغينة والكراهية، مما يؤدي إلى تمني الشر للآخرين.
— الحقد: هو حفظ العداوة في القلب والتربص للانتقام، وهو أعمق من الغضب العابر؛ فهو يستقر في الأعماق وينمو مع الوقت.
— الحسد: هو تمني زوال النعمة عن الآخرين، سواء أكانت نعمة دينية أو دنيوية، وهو مرض نفسي يرَى صاحبه أن سعادة الآخرين تقلل من سعادته.
ثانيًا….. نهي القرآن والسنة عن هذه الآفات
أ- في القرآن الكريم:
— قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر: 10).
— قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر: 10).
— قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النساء: 54)، مبينًا أن الحسد من صفات الجاهلية.
ب- في السنة النبوية:
— قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والحسد؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» (رواه أبو داود).
— وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا» (متفق عليه).
— وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغل بقوله: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» (رواه مسلم)، والغل من آثار الكبر والحسد.
ثالثًا… الآثار السلبية للغل والحقد والحسد على الفرد والمجتمع
1- نفسيًا:
— على الفرد: تؤدي هذه الأمراض إلى الاكتئاب، والقلق المزمن، وتشويه صورة الذات، وضعف الثقة بالنفس، وتآكل الطاقة النفسية.
— على المجتمع: تنتج مجتمعًا مفتتًا، مليئًا بالشك والريبة، وتفكك الروابط الاجتماعية، وتضعف روح التعاون.
2- صحيًا:
— على الفرد: تؤثر هذه المشاعر السلبية على الجهاز المناعي، وتسبب أمراضًا جسدية مثل ارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والصداع المزمن.
— على المجتمع: تزيد من نسبة الأمراض النفسية والجسدية، مما يشكل عبئًا على النظام الصحي.
3- إجتماعيًا:
— على الفرد: تسبب العزلة الاجتماعية، وتضعف العلاقات الأسرية والصداقات.
— على المجتمع: تؤدي إلى انتشار العداوة، وزيادة الجرائم، وضعف التماسك الاجتماعي.
رابعًا…الآثار الإيجابية لتصفير القلب من هذه الآفات
1- نفسيًا:
— على الفرد: يشعر بالسلام الداخلي، والراحة النفسية، والتحرر من الأعباء العاطفية.
— على المجتمع: ينتج مجتمعًا متعاونًا، مليئًا بالثقة والطمأنينة.
2- صحيًا:
— على الفرد: تقوية الجهاز المناعي، وتحسين الصحة العامة، وزيادة النشاط والحيوية.
— على المجتمع: تقليل الأعباء الصحية، وزيادة الإنتاجية.
3- إجتماعيًا:
— على الفرد: تحسين العلاقات الاجتماعية، وزيادة فرص النجاح في العمل والحياة.
— على المجتمع: تعزيز التماسك الاجتماعي، وزيادة التعاون، وبناء مجتمع قوي ومترابط.
خامسًا….دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والأزهر وعلماء الدين والداعيات الإسلاميات
1- الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي:
— يجب أن يسلط الضوء على نماذج التسامح والتعاون.
— مكافحة الخطاب الكراهي والتحريض.
— نشر المحتوى الهادف الذي يعزز القيم الإيجابية.
2- الأزهر وعلماء الدين:
— تنظيم محاضرات وندوات لتوعية الناس بخطورة هذه الأمراض.
— إصدار فتاوى ونشرات تبين كيفية التخلص من الغل والحقد والحسد.
— تعزيز دور المساجد كمراكز للإرشاد النفسي والروحي.
3- الداعيات الإسلاميات:
— توعية النساء والأسر بأهمية تنقية القلوب.
— تقديم النماذج العملية للتسامح والعفو.
–استخدام وسائل التواصل لنشر الرسائل الإيجابية.
وختاما…فإن تصفير القلب من الغل والحقد والحسد ليس مجرد عملية فردية، بل هو مشروع مجتمعي وإنساني كبير. إنه البوابة الحقيقية للسلام الداخلي والاجتماعي، وهو الطريق إلى مجتمع صحي ومتماسك. عندما نحرر قلوبنا من هذه السموم، نطلق طاقاتنا الإيجابية نحو البناء والتعمير، ونعيش حياة مليئة بالرضا والسعادة. لنعمل جميعًا، أفرادًا ومؤسسات، على تنقية قلوبنا وجوارحنا، لنبني مجتمعًا تسوده المحبة، والتعاون، والرحمة. قلبٌ صافٍ، هو بداية عالمٍ أفضل.
