د.نادي شلقامي
في عالم تزداد فيه سرعة الألياف الضوئية وتتضاءل فيه مساحات التواصل الإنساني الحقيقي، نعيش مفارقة غريبة: نحن متصلون بالغرباء عبر الشاشات، ومنفصلون عن الأقرباء خلف الجدران.
صلة الرحم ليست مجرد “عُرف” موروث، بل هي “خيط إلهي” عُقد عند عرش الرحمن، ومن وصله وصله الله. في هذا التقرير، نغوص في أعماق هذه الفريضة المنسية، لنكتشف كيف تحولت في بيوت كثيرة من “شريان حياة” إلى “رسالة نصية” باردة، وما هو الثمن النفسي والاجتماعي الذي ندفعه مقابل هذا الجفاء؟
أولا….الميثاق الغليظ (الزاوية الدينية والفقهية)
الدين الإسلامي لم يتعامل مع صلة الرحم كرفاهية، بل كأصل من أصول الإيمان:
1- التأسيس الرباني : جعل الله الرحم مشتقة من اسمه “الرحمن”، في إشارة إلى أن الوصل هو استمداد مباشر من رحمة الخالق.
2- قانون البركة: وضعت السنة النبوية معادلة اقتصادية واضحة؛ “من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه”. فالصلة ليست استهلاكاً للوقت، بل هي استثمار في العمر والمال.
3- خطورة القطيعة: صنف الفقه الإسلامي “قطيعة الرحم” ككبيرة تعجل بصاحبها العقوبة في الدنيا، وتغلق أمامه أبواب القبول في الآخرة.
ثانيا…. الأبعاد النفسية والاجتماعية (درع الأمان العاطفي)
خلف كل صلة رحم “نفس” مطمئنة و”مجتمع” متماسك :
1- الأمان الوجودي : الشعور بالانتماء لـ “عزوة” يخفف من قلق العزلة الوجودي، ويقلل من إفراز هرمونات التوتر بنسبة كبيرة.
2- الهوية المتكاملة: الأقارب هم المرآة التي تعكس تاريخنا، والارتباط بهم يمنح الإنسان توازناً عاطفياً يمنع الانكسار عند الأزمات.
3- التكافل الذاتي: المجتمع الذي يصله أفراده بعضهم ببعض، هو مجتمع يمتلك نظام “تأمين اجتماعي” رباني؛ فإذا كفل كل قريب قريبه، تلاشت جيوب الفقر والحاجة وتضاءلت معدلات الجريمة.
ثالثا…. التحقيق الميداني (واقع صلة الرحم في زمن الواتساب)
خلال بحثنا الميداني، رصدنا تحولات خطيرة في مفهوم “الوصل”:
1- المشاهدات: تحولت اللقاءات من “واجبات” إلى “مناسبات خاصة”، واستبدلت الزيارات بحالات (Stories) يراها القريب من بعيد دون أن يلمس اليد أو يشعر بالقلب.
2- شهادات حية:
أ- أم أحمد (58 سنة): “كنا جسداً واحداً، اليوم لا أعرف أسماء أحفاد أخي إلا من فيسبوك”.
ب- د.خالد (طبيب نفسي): “70% من حالات الاكتئاب التي أعالجها تعاني من (يتم عائلي) رغم وجود الأقارب على قيد الحياة”.
3- الأسباب: تصدرت النزاعات المالية والمواريث قائمة “قواطع الأرحام”، يليها “الانشغال بالرزق” الذي أكل بركة الرزق ذاته.
رابعا…. مدرسة الوصل (كيف نربي الأبناء والزوجات؟)
صلة الرحم لا تُدرس كمنهج، بل تُعاش كواقع عبر:
1- النمذجة والقدوة : لن يحترم ابنك عمته إذا رآك تهجر أخاك. أنت “الرادار” الذي يبرمج سلوكهم.
2- مشاركة اللوجستيات: أشرك طفلك في اختيار هدايا الأقارب، واجعل ابنتك هي من تبادر بالاتصال بخالتها، لغرس “ثقافة المبادرة”.
3- توعية الزوجة: الزوجة هي “دينامو” البيت؛ شجعها على صلة أهلها لتكون لك عوناً على صلة أهلك، واجعلا من “الاجتماع العائلي” طقساً مقدساً لا يقطعه شاغل.
4- بناء الذكريات: سرد قصص العائلة للأطفال يخلق لديهم شعوراً بالفخر التاريخي والانتماء لجذور قوية.
خامسا….استراتيجيات عملية (خارطة طريق للعودة)
1- فردياً: وضع “خطة اتصال أسبوعية” وتخصيص ميزانية بسيطة للهدايا الرمزية.
2- أسرياً: إحياء “المجلس العائلي الدوري” بعيداً عن الهواتف الذكية.
3- مجتمعياً: تفعيل دور “حكماء العائلة” لحل النزاعات المالية قبل أن تصل للمحاكم وتكسر القلوب.
وختاما….فإن الدم لا يصبح ماءً
إن صلة الرحم ليست خياراً في زمن الترف، بل هي “قارب نجاة” في زمن العزلة. هي الجذور التي تمتد بنا في تربة الأرض لنواجه عواصف الحياة بقوة. الدم الذي يجري في عروقنا لا يتحول إلى ماء بمرور الوقت، لكن القلوب قد تتحول إلى حجارة إذا هجرناها.
صلوا أرحامكم.. لعلّ وصلاً واحداً صادقاً يكون هو العروة الوثقى التي تربطكم بالسماء، وتفتح لكم أبواب الأرض.
