بقلم د.نادي شلقامي
في سكون الليل العميق، حين يغشى الظلام الأرض وتسكن الأصوات، تنزل رحمة الله تعالى كالغيث الهنيء على قلوب المؤمنين، فتُشرق ليلة النصف من شعبان كنجمة في سماء الليالي المباركة، تحمل في طياتها أسرار المغفرة والعتق من النار، وتُفتح أبواب السماء لتُغفر الذنوب التي تفوق عدد شعر غنم كلب، ويُطلع الرحمن على خلقه فيغفر لمن لم يشرك به ولم يحمل في قلبه شحناءً لأخيه المسلم. هذه الليلة ليست مجرد تاريخ في التقويم، بل هي لحظة تاريخية روحية يتجدد فيها الأمل، ويُمحى فيها ما تقدم من الخطايا، وتُعد جسرًا روحيًا يقود إلى شهر رمضان المبارك. إنها ليلة البراءة الكبرى، حيث يتجلى كرم الخالق سبحانه، وتُرفع الأعمال، وتُقسم الأرزاق والآجال بحكمة بالغة، فمن اغتنمها بالتوبة والدعاء خرج منها مغفورًا له، ومن أعرض عنها فاته خير عظيم لا يُعوض.
— فضائل وكرامات ليلة “النصف من شعبان”
1- نزول الرحمة الإلهية وإطلاع الله على خلقه.
من أبرز ما ورد أن الله تعالى يطلع في هذه الليلة على عباده، فيغفر للمؤمنين ويرحم المستغفرين. روى البيهقي في شعب الإيمان عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه: “إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم”. حسنه بعض العلماء مثل الألباني في صحيح الجامع. كما روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: “إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن”.
2- المغفرة الواسعة التي تفوق العدد
من الكرامات الشهيرة أن المغفرة في هذه الليلة تشمل أعداداً هائلة. روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: “إن الله ينزل إلى السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب”. هذا الحديث رواه أحمد والطبراني، وإن ضعفه بعضهم إلا أنه يُستخدم في فضائل الأعمال عند كثيرين.
3- تفريق الأمور الحكيمة وقسمة الأرزاق والآجال
يُذكر في بعض التفاسير أن ليلة النصف من شعبان مرتبطة بقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (سورة الدخان: 4)، حيث يُفرق فيها كل أمر حكيم للسنة القادمة، مثل كتابة الآجال وقسمة الأرزاق وتسجيل وفد الحاج. هذا التفسير مذكور عند بعض المفسرين كالطبري، رغم أن الراجح ارتباط الآية بليلة القدر.
4- استجابة الدعاء والتوبة
تُعد الليلة فرصة للدعاء المستجاب، حيث يُروى أن الله يقول فيها: “ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه” (رواية عن علي رضي الله عنه في ابن ماجه والبيهقي، وإن ضعفت). يُشجع على الاستغفار والتوبة، خاصة تصفية القلوب من الحقد، إذ يُترك أهل الحقد بحقدهم.
5- الصيام والعبادة العامة
لا يوجد تخصيص صلاة معينة (كصلاة المائة ركعة) بأحاديث صحيحة، بل هي بدعة عند كثير من العلماء كابن باز والنووي. أما صيام يوم 15 شعبان فهو مستحب كجزء من الأيام البيض (13-14-15 من الشهر)، لا لخصوصية الليلة. النبي ﷺ كان يصوم أكثر شعبان، فيُستحب الإكثار من الصيام في الشهر كإعداد لرمضان.
6- الخلاف الفقهي بين المذاهب
– في المذهب “السني” (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي): الأحاديث ضعيفة أو موضوعة عند كثيرين (كابن باز وابن تيمية)، فلا تخصص بعبادة معينة، لكن يُستحب الدعاء والقيام العام.
– في التقاليد “الشيعية” : تكتسب أهمية أكبر، فهي ليلة ميلاد الإمام المهدي عليه السلام، وتُحيى بأعمال خاصة كزيارة الحسين وزيارة الإمام المهدي ودعاء العهد وصلاة خاصة.
في ختام… هذه الليلة العظيمة، تبقى ليلة النصف من شعبان شاهداً حياً على سعة رحمة الله تعالى التي لا تحدّ ولا تنتهي، فهي ليست مجرد ليلة تمر، بل هي دعوة إلهية لكل قلب ينبض بالإيمان أن يعود إلى ربه تائباً مستغفراً، مصلحاً ما أفسده، ومصفياً قلبه من الشحناء والغلّ. سواء اعتبرنا فضلها بحسن الأحاديث مجتمعة أو بضعفها المنفرد، فإن الجوهر واحد: التقرب إلى الله بالتوبة النصوح، والدعاء المخلص، والإحسان إلى الخلق، استعداداً لاستقبال شهر الرحمة والمغفرة. فلنجعل من هذه الليلة نقطة تحول في حياتنا، نخرج منها أنقى قلوباً وأصفى نفوساً، نرجو من الله أن يتقبل منا ويغفر لنا ولجميع المسلمين، ويجعلنا من أهل البراءة والفوز برضوانه. اللهم اغفر لنا في هذه الليلة ما تقدم من ذنوبنا وما تأخر، واجعلنا ممن يُكتب لهم فيها العتق من النار والفوز بالجنة، إنك على كل شيء قدير. آمين.
