بقلم : أحمد رشدى
في امتداد هذه السلسلة التي دعت إلى محاسبة النفس، والتحذير من الظلم، وبيّنت فضل الاستغفار، وبر الوالدين، وجبر الخواطر، وإتقان العمل، والصدق، وحب الخير، واجتناب الخيانة، وعظمة الصدقة، ومعنى الإيثار، وروح الرحمة،
تأتي صلة الرحم بوصفها رباطا أصيلا من أربطة الاستقامة، وعلامة صادقة على حياة القلب وحضور الضمير، فهي ليست خُلقا اجتماعيا عابرا، بل عبادة عظيمة قرنها الله باسمه، وجعلها سببا للبركة في العمر والرزق، ودرعا واقيا من القطيعة والجفاف الروحي.
صلة الرحم في ميزان الإسلام ليست مجرد زيارة أو تواصل شكلي، بل هي دوام الإحسان، ولين المعاملة، واحتمال الأذى، وبذل المعروف مع القريب قبل البعيد، وقد قرنها الله بتقواه فقال واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، فجعل صلتها من تمام التقوى، وقطعها من أمارات الخلل القلبي.
وقال سبحانه والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، فربط الصلة بالخوف من الله وحسن العاقبة.
وفي السنة النبوية بيان واضح لعظيم شأنها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، وقال أيضا من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه، فدل ذلك على أن صلة الرحم ليست عبئا اجتماعيا بل باب خير مفتوح، من دخله وجد سعة في العيش وطمأنينة في النفس وبركة في الأيام.
وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلة الحقيقية ليست مكافأة على الإحسان، بل ثبات على الخير حتى مع التقصير، فقال ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها.
وصلة الرحم مدرسة أخلاقية عميقة، يتعلم فيها الإنسان الصبر والحلم وكظم الغيظ، ويتربى فيها على تجاوز الخلافات الصغيرة، وتقديم ما يجمع على ما يفرق، وهي في الوقت نفسه رسالة عملية يراها الأبناء فيتعلمون منها كيف تكون العلاقات الإنسانية قائمة على الوفاء لا على المصالح، وعلى الرحمة لا على الحسابات الضيقة.
وقد قرر العلماء أن القطيعة سبب لقسوة القلب، وأن دوام الصلة يلين الطبع ويهذب النفس، لأن الإنسان حين يصل رحمه إنما يجاهد أنانيته ويقدّم قيمة الشرع على نزعات النفس.
ويرى علماء النفس والاجتماع أن الروابط العائلية المتينة تمنح الإنسان شعورا بالأمان والانتماء، وتخفف من حدة الضغوط النفسية، وتقلل من مشاعر الوحدة والعزلة، وهو ما ينسجم تماما مع المقاصد الشرعية التي أرادت مجتمعا متراحما متماسكا ، فصلة الرحم ليست فقط عبادة فردية، بل ركيزة من ركائز الاستقرار الاجتماعي.
إن صلة الرحم ليست دائما سهلة، وقد تكون في بعض الأحيان شاقة، لكنها في حقيقتها اختبار للاستقامة وصدق الإيمان،
استقيموا يرحمكم الله فمن وصل وهو قادر على القطع، وأحسن وهو قادر على الإساءة،
فقد بلغ درجة عالية من صفاء القلب وقوة الأخلاق. ومن أراد أن يستقيم حقا فليجعل صلة رحمه جزءا ثابتا من حياته، لا موسما عابرا ولا واجبا ثقيلا، فبها ترضى النفوس، وتصلح البيوت، ويعم الخير، ويكون الإنسان أقرب إلى رحمة الله.
