د.نادي شلقامي
في عالم مليء بالإغراءات والشهوات، يأتي الإسلام ليعلمنا قيمة الزهد والإخلاص لله تعالى. العبارة “من ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه” تعبر عن مبدأ إيماني عميق، يؤكد أن التخلي عن شيء محرم أو مكروه ابتغاء مرضاة الله يؤدي إلى تعويض إلهي أفضل، سواء في الدنيا أو الآخرة أو كليهما. هذا المبدأ ليس مجرد كلام نظري، بل هو وعد إلهي مدعوم بأدلة من القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وأقوال السلف الصالح. في هذا التقرير الصحفي الديني، سنستعرض هذه الأدلة لنبرز أهمية الإخلاص والصبر في مواجهة الفتن، مستندين إلى مصادر إسلامية موثوقة، لنكشف كيف يتحقق هذا العوض في حياة المؤمنين.
أولا…..الأدلة من القرآن الكريم
يؤكد القرآن الكريم في آيات عديدة أن من يترك شيئا لله تعالى، يجد عوضا أفضل. فالله سبحانه يعد بالرزق والمخرج لمن يتقيه ويصبر. من أبرز الآيات:
— قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} (سورة الطلاق: 2-3). هذه الآية تبشر بأن التقوى – التي تشمل الترك لله – تفتح أبواب الرزق غير المتوقع، سواء ماديا أو روحيا.
— وقوله تعالى في سيرة إبراهيم عليه السلام: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} (سورة مريم: 49). هنا، ترك إبراهيم قومه وعبادتهم الشركية لله، فعوضه الله بذرية صالحة من الأنبياء، مما يظهر أن العوض قد يكون في الذرية والمكانة الروحية.
— كما في قوله تعالى عن المهاجرين: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} (سورة النساء: 100).ترك المهاجرون أوطانهم لله، فعوضهم الله بسعة في الرزق والأمان.
— هذه الآيات تؤكد أن العوض الإلهي يأتي في أشكال متنوعة، من رزق مادي إلى راحة نفسية، وهو وعد لا يخلف.
ثانيا….. الأدلة من السنة النبوية
السنة النبوية مليئة بأحاديث تبشر بالعوض لمن يترك شيئا لله. أبرزها الحديث الذي يشكل أساس العنوان: عن أبي قتادة وأبي الدهماء قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنك لن تدع شيئاً لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه”. رواه الإمام أحمد، وسنده صحيح على شرط مسلم.
— من الأمثلة النبوية:
— يوسف عليه السلام ترك الفاحشة مع امرأة العزيز، فسجن، ثم عوضه الله الملك والسيادة في مصر.
— سليمان عليه السلام عقر الخيل التي شغلته عن الصلاة، فعوضه الله تسخير الريح.
— المهاجرون تركوا ديارهم، ففتح الله عليهم الدنيا وملك شرقها وغربها.
— كما في حديث آخر: “إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة” (يريد عينيه). رواه البخاري.b70997 هذا يظهر أن العوض قد يكون أخرويا، كالجنة لمن صبر على فقدان شيء عزيز.
ثالثا…. أقوال السلف الصالح وأمثلة منهم
— السلف الصالح طبقوا هذا المبدأ عمليا، وتركوا أقوالا تبين عمقه. قال ابن القيم رحمه الله: “وقولهم من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه: حق، والعوض أنواع مختلفة؛ وأجلّ ما يعوض به: الأنس بالله ومحبته، وطمأنينة القلب به، وقوته ونشاطه وفرحه ورضاه عن ربه تعالى”.
— قال أبي بن كعب رضي الله عنه: “ما من عبد ترك شيئاً لله إلا أبدله الله به ما هو خير منه من حيث لا يحتسب”.
— قال ابن سيرين: “سمعت شريحا يحلف بالله ما ترك عبد لله شيئاً فوجد فقده”.
— من الأمثلة: عبد الله بن عمر رضي الله عنه بيع رقيقا، ثم رد عليه بسبب عيب، فرفض الحلف الكاذب وأعاد الرقيق، فشفي وعوضه الله ببيعه بثمن أعلى (1500 درهم بدلا من 800) كذلك، في حديث الثلاثة الذين حبسوا في الغار، ترك أحدهم الفاحشة مع امرأة، فعوضه الله إنقاذا من الموت.
— هذه الأقوال والأمثلة تؤكد أن العوض ليس ماديا فقط، بل قد يكون راحة قلبية أو رفعة درجات في الآخرة.
في الختام، مبدأ “من ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه” هو دعوة للإخلاص والصبر، مدعوم بأدلة قرآنية مثل آيات الطلاق ومريم، وأحاديث نبوية صحيحة، وأقوال السلف كابن القيم وابن عباس. هذا المبدأ يذكرنا بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن العوض قد يأتي في صور متعددة، من رزق دنيوي إلى جنة أخروية. ندعو كل مسلم إلى تطبيقه في حياته اليومية، فمن ترك حراما أو شهوة لله، سيجد عوضا يفوق التصور، محققا التوازن بين الدنيا والآخرة. والله أعلم.
