بقلم: م/ رمضان بهيج
أولاً:.. الأخوة مَدَدٌ وعون
عندما أمر الله سبحانه وتعالى نبيه موسى -عليه السلام- بالذهاب إلى فرعون، ذلك الطاغية الذي تجبر في الأرض، لم يتردد موسى رغم كونه أعزلاً أمام جيشٍ لاكبر طاغية على الارض. لكنه، وهو الشجاع الأبيّ، أدرك أن ثقل الرسالة يحتاج إلى قلوبٍ تتآزر، فطلب من ربه طلباً خلده القرآن في سورة طه:
طلب فيها موسى -عليه السلام- وزيراً من أهله حيث قال: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32)} .
لقد إستجاب الله لطلب سيدنا موسى فقال الله تعالى: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [سورة طه: 36
لقد كان هارون هو “الكلمة” و”الحكمة” و”البيان”، بينما كان موسى هو “القوة” و”المبادرة”. فاستجاب الله له فوراً: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى}. ذهبا معاً، يحميان بعضهما بذكر الله، ممتثلين لأمر الله باللين حتى مع الجبار: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}.
ثانياً: واقعٌ مـرّ.. عندما يصبح الأخ عِبئاً .
شتان بين من يقول “اشدد به أزري” وبين من يسعى لكسر ظهر أخيه. في زماننا هذا، نرى صوراً تدمي القلوب للأخ “العاق” لعلاقة الدم:
عينُ الحسد: يتمنى زوال النعمة عن أخيه بدلاً من مباركتها.
المقارنة القاتلة: يسأل نفسه بحقد: “لماذا هو مستقيم وأنا ضال؟ لماذا أبناؤه ناجحون وأبنائي تعثروا؟”.
صراع الميراث: تحول الدم إلى ماء، وأصبح الأخ يقتل أخاه أو يخاصمه من أجل حطام الدنيا الزائل.
لقد تحول الأخ في بعض القصص من “سند” إلى “حمل ثقيل”، ومن “مشاركة في الهمة” إلى “غرق في الضغينة”.
ثالثاً: مأساة “الأخ العاق” وامتداد الأثر
إن الأزمة الكبرى لا تتوقف عند الأخ العاق وحده، بل هي عدوى أخلاقية تنتقل عبر الأجيال. فأبناء الأخ العاق يرضعون هذا الحقد من صغرهم، فينشأ جيلٌ جديد يحمل نفس الحالة النفسية المريضة، فتتقطع الأرحام وتفسد الأسر، ويفقد المجتمع روح التكاتف التي أرادها الله لنا.
لمسة وفاء :
إن الأخ الصالح هو “الرزق” الذي لا يعوض، هو الجدار الذي تستند إليه عندما تميل بك الدنيا. فمن كان له أخٌ كـ “هارون” فليتمسك به، ومن كان يجد في قلبه غلاً تجاه أخيه فليتذكر أن الدنيا فانية، وأن “شد الأزر” أبقى عند الله من حطام المال.
همسة:
يا من تبحث عن العز، ابحث عنه في صلة رحمك، فما ذلّ من كان له أخٌ صالح، وما اعتزّ من قطع بيده شريان حياته “روشتة الإصلاح” وكيفية مداواة هذه الجراح بين الإخوة، و كيف نداوى جراح الأخوة؟
إن علاج “عقوق الأخوة” ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب وقفة صدق مع النفس قبل فوات الأوان، وذلك عبر خطوات عملية تنبع من منهج النبوة:
تطهير القلب من “المقارنة”: الخطوة الأولى تبدأ بالإيمان بأن الأرزاق مقسمة بحكمة إلهية. نجاح أخيك هو نجاح لك، وصلاحه هو شرفٌ لاسمك. تذكر أن الحسد لا يغير القدر، بل يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
ثقافة “العفو المتبادل”: لا توجد علاقة إنسانية تخلو من الهفوات. الحل يكمن في قوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا}. كن أنت “موسى” في مبادرتك، وابدأ بالسلام لتكسر حاجز الكبرياء الذي بناه الشيطان بينكما.
حفظ الغيبة ومنع “الوشاة”: غالباً ما تشتعل الفتن بسبب “القيل والقال”. أغلق أذنيك أمام أي طرف يحاول تشويه صورة أخيك أمامك، فالأخ يبقى قطعة من الروح مهما كدرت الأيام صفوها.
القدوة للأبناء: إذا أردت ألا ترى أبناءك يتصارعون مستقبلاً، أرِهم اليوم كيف تحترم أخاك وتصله رغم الخلاف. فالأبناء لا يتعلمون بالنصائح، بل بالقدوة التي يرونها في سلوكك.
دعوة للتصالح
إن التاريخ لا يذكر الجبناء ولا يذكر الحاقدين، بل يذكر من كانوا كالبنيان المرصوص. تذكر دائماً أن “هارون” لم يكن مجرد رفيق لموسى، بل كان دعامةً لرسالته. فكن لأخيك “عضداً” ولا تكن له “نداً”، فالعمر قصير، والرحم معلقة بالعرش تقول: “من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله”.
