بقلم :أسامة إبراهيم
تفكيك مفهوم “الثوابت الدينية” وإعادة بناء الفهم في ضوء المقاصد.
سنتناول في هذا المقال إشكالية مركزية في الفكر الإسلامي المعاصر، تتمثل في الخلط المنهجي بين الوحي الإلهي القطعي، والاجتهاد البشري التاريخي الذي أُضفيت عليه قداسة معرفية ورمزية. إذ أن هذا الخلط أدى إلى توسيع غير منضبط لدائرة “الثوابت الدينية”، بما أسهم في تعطيل آليات النقد والمراجعة، وإنتاج خطاب ديني إقصائي متحنط، يُعيد إنتاج سلطته الرمزية باسم الدفاع عن الدين.
وردّا على من عقب على المنشورين السابقين بأن المقالين ألقيا الضوء على الداء دون إشارة إلى الدواء؛ سأضع في هذا المقال إطارًا منهجيًّا لإعادة ضبط مفهوم الثوابت، انطلاقًا من مركزية القرآن الكريم، ومقاصد الشريعة، والعقل بوصفه شرطًا للفهم لا نقيضًا للوحي.
أولًا: إشكالية المفهوم أو ضبط مصطلح: “الثوابت الدينية”.
كثيرا ما يُستعمل مصطلح “الثوابت الدينية” في الخطاب الإسلامي المعاصر استعمالًا إشكاليًا يتسم بالاتساع والغموض، غالبًا دون تحديد إبستمولوجي دقيق؛ ففي كثير من الكتابات الوعظية والفقهية، يُخلط بين النص القطعي ثبوتًا ودلالة، وبين القيم الكلية المستنبطة من النص، وبين اجتهادات فقهية وتفسيرية نشأت في سياقات تاريخية واجتماعية محددة. وقد نبّه علماء المقاصد إلى أن هذا الخلط يؤدي إلى تحويل المتغير إلى مقدّس، والاجتهاد إلى معيار إيماني، بما يترتب عليه إغلاق باب المراجعة بدعوى حماية الدين.
إن هذا التوسّع غير المنضبط في مفهوم “الثابت” لا يعكس رسوخًا عقديًا، بقدر ما يكشف عن أزمة منهجية في التعامل مع التراث، حيث يُختزل الدين في صيغ تاريخية بعينها، ويُقاس “الالتزام” بمدى الانتماء إلى تأويل محدد، لا بمدى تحقق المقاصد الأخلاقية الكبرى.
ثانيًا: اجتهادات تاريخية أُلبست لباس القداسة.
وإليك الأمثلة:
1. الفقه المذهبي وتحويل الاجتهاد إلى معيار ديني.
تشكل الفقه الإسلامي تاريخيًا بوصفه جهدًا بشريًا لفهم النص وتنزيله على الواقع، وقد أكد الأئمة المؤسسون نسبية اجتهادهم ورفضهم للتقليد، بل طالبوا صراحة بضرورة مراجعتها وحق قبولها أو رفضها غير أن هذا الفقه، مع مرور الزمن، تحوّل من أداة فهم إلى بنية معيارية مغلقة، جرى التعامل معها باعتبارها التمثيل النهائي للدين.
إن الدفاع عن هذا التصور في السياق المعاصر لا يمكن فهمه بوصفه دفاعًا عن الوحي، بل عن سلطة معرفية تراكمت تاريخيًا، واكتسبت حصانة رمزية، حتى باتت مساءلتها تُعد تهديدًا للدين ذاته، لا لمقولاتها. نرى هذا بوضوح في نسخة رجل دين ذا مشرب صوفي أو نقيضه السلفي ومدي تباين زاوية النظر لكل منهما للتدين، بأن كل منهما يمتلك الحقيقة المطلقة عن الله، و المضحك أن كلاهما يتهم ذا المشرب العلماني بالتبديع والتفسيق ولربما الكفر..!!!،
هو يرى نفسَه وأنصارُه كذلك معيارا الدين!!!
2. أحاديث الآحاد وبناء تصورات عقدية إقصائية.
وهنا ينبغي أن نشير إلى أن علم أصول الفقه ميّز بوضوح بين الخبر المتواتر المفيد لليقين، و بين خبر الآحاد المفيد للظن؛ غير أن الخطاب الديني السائد تجاوز هذا الضبط المنهجي، فحمّل أحاديث آحاد قضايا عقدية مصيرية، تتعلق بمسائل غيبية كعلامات الساعة، والحياة البرزخية، والنجاة، والعذاب الأخروي وغير ذلك أو مسائل عقدية اجتماعية كتكفير الآخر أو مسائل تتعلق بمنظومة التشريع العقابية كالحدود وعلى رأسها حد الرجم المزعوم أو مسائل اجتماعية وثقافية كوضع المرأة اليوم في مؤسسة الزواج والميراث…الخ
وقد أسهم هذا المسلك في إنتاج تصور ديني قائم على القلق والخوف من المجتمع أولا ثم من لقاء الله ثانيا، لا على الطمأنينة والرجاء وبث الأمل في نفوس الناس وهذا ما يتعارض مع المقاصد الإيمانية العامة التي يؤكدها الخطاب القرآني بوضوح.
3. مفهوم “الفرقة الناجية” بين التحذير الأخلاقي والهوية الإقصائية.
نشأ مفهوم “الفرقة الناجية” في سياق جدلي تاريخي، غير أنه تحوّل تدريجيًا من تحذير أخلاقي من التفرق، إلى أداة لإنتاج هوية دينية مغلقة، تحتكر الحقيقة وتقصي المختلف. وبهذا التحول، لم يعد المفهوم يؤدي وظيفة إصلاحية، بل أصبح آلية رمزية لتكريس التفوق المعنوي وإضفاء الشرعية على الإقصاء، والقرآن صريح و واضح: ” إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ”.!!
كلهم يظنون أنهم ناجون، وظنهم هذا لا يمسه إلا الهالكون..!!
هذا المفهوم هو السبب الرئيس في صناعة مسلم كاره للآخر ورافض له وغير قادر على تقبل ثقافته والتأثر بها والتأثير فيها.
4. التوسّع في دائرة التحريم ومخالفة مقاصد التيسير.
حصر القرآن الكريم المحرمات بنصوص محددة وواضحة لا تتجاوز الأربعة عشر محرما، غير أن الفقه التاريخي وسّع هذه الدائرة اعتمادًا على سد الذرائع والاحتياط والعرف والثقافة السائدة فأوصلها إلى سبعين كبيرة –كما ذكر الذهبي في كتابة الكبائر–، حتى تحولت الحياة اليومية إلى فضاء اشتباه أخلاقي دائم، فضلا عن الصغائر التي لا حصر لها؛ فتعقد الدين في نظر الناس وخرج من محور البساطة التي تحدثنا عنها من قبل.
وقد أدى هذا التوسع إلى نقل مركز التدين من القيم إلى المنع، ومن الأخلاق إلى الضبط السلوكي، بما يخالف مقاصد التيسير ورفع الحرج التي جاء بها ومن أجلها الدين.
5. قضايا المرأة بين النص والاجتهاد الثقافي.
كثير من الأحكام المتداولة في قضايا المرأة تستند إلى قراءات تأثرت بالبنية الاجتماعية الأبوية للعصور السابقة، أكثر مما تستند إلى نصوص قطعية. ومع ذلك، جرى الدفاع عن هذه القراءات بوصفها “أحكامًا إلهية ثابتة”، وهو ما أدى إلى تحصين اجتهادات تاريخية ضد أي قراءة مقاصدية أو سياقية معاصرة. يكفي أن تطرح فقط، مجرد طرح أي آلية ولو فقهية لزيادة نصيب المرأة من الميراث لأنها اليوم خرجت إلى ميادين العمل والانتاج تكدح وتساهم في تكوين الثروة غير ما كان في الماضي وقت أن كانت معصوبة في جبين الرجل بالبيت ينفق عليها بنتا وزوجة وأمَّا؛ الا وتجد رصاصات الهجوم القاتل على أي دعوى في هذا الاتجاه واتهام أصحابها بالفسق والضلال والكفر والتعدي على ثوابت الدين.!!
ثالثًا: من الاجتهاد إلى “الثابت” – آليات التحوّل..
يمكن تفسير تحوّل الاجتهادات التاريخية إلى “ثوابت دينية” عبر ثلاث آليات رئيسة:
أولها: الخوف من الفوضى المعرفية في حال فتح باب المراجعة، وثانيها: ارتباط الشرعية الدينية بسلطة التأويل لا بسلطة النص، وثالثها: توظيف الدين بوصفه هوية دفاعية في مواجهة التحولات الحديثة، لا بوصفه خطابًا أخلاقيًا إنسانيًا مفتوحًا.
ما الحل؟!!👇
رابعًا: نحو إعادة بناء منهجية الفهم الديني
1. التمييز المنهجي بين الدين والتدين.
يُعد التفريق بين الوحي الإلهي والتدين البشري شرطًا تأسيسيًا لأي مشروع تجديدي، إذ يسمح بتحرير النص من القراءة الواحدة، دون المساس بقداسته.
2. إعادة مركزية القرآن الكريم.
بوصفه المرجعية العليا التي تُفهم السنة والتراث في ضوئها، لا العكس، بما يضمن وحدة المعنى واتساق المقاصد.
3. اعتماد مقاصد الشريعة معيارًا حاكمًا.
بحيث تُوزن الأحكام بمدى تحقيقها للعدل والرحمة وحفظ الكرامة الإنسانية، لا بمجرد انتمائها إلى مدرسة فقهية بعينها.
4. إعادة ضبط وظيفة الحديث النبوي.
خصوصًا أحاديث الآحاد، ضمن إطارها المعرفي الصحيح، دون تحميلها ما يتجاوز طبيعتها الظنية أو توظيفها في بناء تصورات إقصائية أو أسطورية أو تقديمها على القرآن بحال من الأحوال.
5. تحرير مفهوم “الثوابت”
بحصره في التوحيد، والقيم الأخلاقية الكبرى الجامعة، والمقاصد الكلية، وفتح ما عدا ذلك للاجتهاد والأخذ والرد والنقاش العلمي الرصين.
وختاما، إن أخطر ما يواجه الدين في السياق المعاصر ليس النقد، بل الخلط بين قداسة الوحي وقداسة الفهم البشري. فحين تُدافع اجتهادات تاريخية بوصفها دين الله، يتحول الدين من رسالة هداية إلى منظومة سلطة رمزية، وتُغلق أبواب المعنى باسم حراسته.
إن إعادة بناء الوعي الديني على أساس العقل والمقاصد ليست تهديدًا للإيمان، بل شرط بقائه حيًا وفاعلًا في ضمير الإنسان المعاصر.
