بقلم د.نادي شلقامي
بين سراب المادة وحقائق الإيمان، يقف الإنسان المعاصر تائهاً في دروب الزينة الزائلة؛ يظن أن ماله حصن حصين، وأن علمه نور مبين، وأن نسبه مجد متين، وغفل عن أن كل ما سوى الله باطل، وكل استناد لغير ركنه مائل.
إنها فتنة الاستغناء التي أهلكت الأمم، واستنزفت الهمم، فصار المال قيداً، والعلم كبراً، والنسب عصبية. يأتي هذا التقرير ليدق ناقوس الخطر، مستنهضاً العقول ببيان حقيقة أزلية: أن من استقوى بغير الله ذل، ومن استغنى بغير الله افتقر.
نكشف هنا لثام الزيف عن أصنام العصر (المال، العلم، الجاه)، لنرسم طريق النجاة الأوحد: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}؛ حيث لا قلّة، ولا زلل، ولا اختلال، بل ثبات كالجبال ويقين يورث الكمال.
أولا…التحذير من الأعاصير الثلاثة..
1- التحذير من الغرور بالمال والتفاخر به
— يحذر القرآن الكريم من الغرور بالمال، الذي هو زينة زائلة وفتنة قد تؤدي إلى الهلاك.
قال تعالى في قصة قارون الذي تباهى بكنوزه: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (القصص: 79)، ثم أهلكه الله بسبب غروره: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} (القصص: 81). كما جاء في سورة الكهف عن صاحب الجنتين الذي تفاخر بماله: {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} (الكهف: 34)، فأهلك الله جنته ليذكرنا بزوال الدنيا.
— من السنة النبوية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون”.
— أما السلف الصالح، فقد قالوا: “من اعتمد على ماله قل”، مشيرين إلى أن الغرور بالمال يؤدي إلى التناقص والخسارة.
2- التحذير من الغرور بالعلم والافتخار به
— العلم نعمة من الله، لكنه إذا أدى إلى الغرور يصبح وبالاً. قال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ} (النجم: 32)، محذراً من تزكية النفس بالعلم. وفي قصة بلعم بن باعوراء الذي أوتي علماً فغره: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الأعراف: 175).
— قال الإمام الغزالي رحمه الله: “العلم الحقيقي ما يعرف به العبد ربه، ونفسه، وهذا يُورِث الخشية والتواضع دون الكبر”. ويُنسب إلى السلف: “من اعتمد على علمه اختل”، أي اختل توازنه وانحرف عن الصواب بسبب غروره.
3- التحذير من الغرور بالنسب والتفاخر به
— التفاخر بالنسب من جاهلية مذمومة. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13).
— ومن السنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللهَ أذهبَ عنكم عُبَّيَّةِ الجاهليةِ وفخرَها بالآباءِ، الناسُ بنو آدمَ، وآدمُ من ترابٍ”.
— ويُنسب إلى السلف: “من اعتمد على عزوته قلوا”، أي قل عددهم وتضاءل شأنهم بسبب غرورهم.
ثانيا….موانع التوكل (أسباب إفشال التوكل)
لكي يستقيم هذا الاعتماد على الله، وجب الحذر مما قد يُفشل التوكل في قلب العبد:
— الركون إلى الأسباب (الشرك الخفي): اعتقاد أن الوظيفة أو الطبيب أو الواسطة هم الفاعلون الحقيقيون، ونسيان مسبب الأسباب.
— التواكل: ترك الأخذ بالأسباب والعمل بدعوى التوكل، وهو معصية وجهل بالدين.
— ضعف اليقين: أن يكون الإنسان بما في يده أوثق مما في يد الله عز وجل.
— استعجال النتائج: التسخط إذا لم تتحقق المرادات فوراً، والتوكل يقتضي الصبر والرضا.
ثالثا…أثر التوكل الإيجابي على الفرد (ثمار اليقين)
إن التوكل الصادق يمنح الفرد كمالات نفسية وقوة عملية لا يملكها غيره:
— الاستقرار النفسي: حصانة سيادية ضد القلق من المستقبل وغموم الماضي.
— عزة النفس: التحرر من “عبودية الاحتياج” للمخلوقين والانكسار على أعتابهم.
— شحذ الهمة: التوكل هو “وقود الإنجاز”؛ فالمتوكل يصب تركيزه في الأداء ويترك النتائج للخالق.
— كفاية الله: الفوز بالمعية الإلهية {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، ومعناها أي كافيه ومؤيده.
وختاماً…. إن الحياة بلا توكل هي رحلة في التيه، ورهان خاسر على فناء. فليعلم المغتر بماله أن “قارون” تحت الأرض لا يزال يغوص، وليوقن المفتخر بعلمه أن “إبليس” طُرد من الرحمة بعلم بلا خشية، وليفهم المعتز بنسبه أن “أبا لهب” في النار رغم قرابته من سيد الأبرار.
لا عزة إلا في الافتقار لله، ولا غنى إلا في الثقة بما عند الله. إنها دعوة لخلع أردية الكبر وارتداء ثوب العبودية الخالصة؛ فمن جعل الله ملاذه، آواه، ومن جعله حسبه، كفاه.
كن مع الله يكن معك، واعتمد عليه وحده، فإنه القوي الذي لا يغلب، والغني الذي لا ينفد عطاؤه، والولي الذي لا يُضام من استنصر به.. {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}؟ بلى والله، ونِعم الوكيل.
