قصة حقيقية
كتب الحوار وعايشة م / رمضان بهيج
قصة إنسانية رقيقة تلمس القلب! مشهد محطة ترام الإسكندرية مع تلك الشمس “الخجولة” ترسم لوحة مثالية لعمل الخير الذي لا ينقطع.
الموقف النبيل
ثلاث ثمرات.. بذور في مهب الذكرى
كانت شمس الإسكندرية في ذلك اليوم تشبه فتاةً تخفي وجهها خلف وشاح من السحب، تمنح الدفء بخجل لركاب الترام المنتظرين على المحطة. جلس “عم محمود” بهدوء، يضع أكياسه بجانبه، وبين الحين والآخر يتحسس ملمس اليوسفي بداخلها، وكأن كل ثمرة تحمل في جوفها حكاية.
مد يده وأخرج ثلاث ثمرات، وبابتسامة صافية قدمها لي كنت اجلس بجواره. اعتذر له بامتنان قائلاً: “شكرًا يا حاج، أنا صائم”. لم تفارق الابتسامة وجه عم محمود، بل بدت وكأنها زادت نورًا. وما إن جلس رجل آخر، حتى تكرر المشهد؛ ثلاث ثمرات يوسفي استقرت في يد الجار الجديد.
هنا، لم أستطع كتمان فضولى كصحفى ، سألته بلطف: “لماذا ثلاث ثمرات تحديدًا يا حاج؟”
تنهد عم محمود، ونظر إلى قضبان الترام الممتدة وكأنه ينظر إلى سنوات عمره، وقال بصوت يحمل نبرة الحنين:
”يا اخى ، البيوت لا تُبنى بالجدران فقط، بل بالأرواح التي تسكنها. أنا وزوجتي لم يرزقنا الله بالأبناء، لكن الله رزقنا بقلوب تتسع لحيّ بأكمله. كان لنا جيران لديهم ثلاثة أطفال، كانوا هم ضحكة بيتنا وصخب أيامنا.”
وتابع وعيناه تلتمعان ببريق خاص:
“كنا نقتسم معهم كل شيء. كل يوم، كانت زوجتي تُعد ثلاث ثمرات، أو ثلاثة أرغفة، أو ثلاث قطع من الحلوى. كبر الصغار، ورحلت بهم الدنيا بعيدًا، وبقينا أنا وهي في صمت بيتنا. ومنذ ذلك الحين، تعاهدنا أن تظل ‘الثلاث ثمرات’ تخرج من بيتنا يوميًا، كرسالة حب نرسلها في بريد القدر، لعلها تصل إليهم أينما كانوا، أو لعل الله يضع في طريقنا من يحتاج لهذا الود.”
صمت عم محمود عندما لاح الترام من بعيد، لكنى شعرت أن البرد قد تبدد تمامًا. أدركت حينها أن الأبوة ليست شهادة ميلاد، بل هي فيض من الرحمة لا ينقطع.
تأملات :
العطاء كعلاج: عم محمود لم يستسلم للفراغ، بل حول حرمانه إلى طاقة حب لجميع البشر.
الوفاء للذكرى: رقم “ثلاثة” لم يعد مجرد عدد، بل صار رمزًا لصلة رحم إنسانية لا تنكسر.
كرم الإسكندرية: القصة تعكس روح المدينة التي تجمع الغريب بالقريب في مشهد واحد على محطة الترام
كتبت كلمات بالعامية المصرية، محملة برائحة بحرالإسكندرية ونسمة الشتاء على محطة الترام
قصيدة: تلات ثمرات (رسالة في بريد الغيب)
على محطة الرمل.. والشمس طالعة بكسوف
والبرد راسم على الوجوه.. حيرة وخوف
وقف الزمن لحظة.. عند “راجل بركة” وعجوز
شايل أكياسه وكأنه.. شايل جواه حكاوي ودروس
طلع “يوسفي” من كيسه.. وبابتسامة صافية
قالي: “اتفضل يا ابني.. خدها بالصحة والعافية”
قلتله: “صايم يا حاج.. تسلم وتعيش إيديك”
ضحك ووزع للتاني “تلاتة”.. والنور بان في عينيه
سألته والفضول جوايا.. عمال يروح ويجيب:
“ليه تلاتة يا حاج؟.. ده سر ولا نصيب؟”
سند ضهره على المقعد.. وتنهد تنهيدة طويلة
وقال: “يا ابني دي حكاية.. قديمة بس جليلة”
”لا خلفة جاتلي.. ولا الضحكة مالت على بيتي
لكن جاري كان عنده “تلاتة”.. كانوا هما ونيسي وصيتي
كنت أقسم الفاكهة تلاتة.. واللقمة أقسمها تلاتة
عشنا الحياة بحبهم.. ولا حسينا بمرارة وفاتة”
”كبروا العيال وسافروا.. والبيت فضي من تاني
لكن ريحتهم في كفي.. وفي كل حتة في كياني
بطلع “تلاتة” لغيرهم.. وأقول يا رب توصلهم
يمكن دعوة غريب في محطة.. تحفظهم وتعدلهم”
دمعت عيني.. والترام صفر ونادى علينا
لقيت الأبوة روح.. مش بس دم في أسامينا
يا “عم محمود” يا طيب.. يا بذر الخير في أرضنا
علمتنا إن اللي بيعطي.. هو اللي بيفضل وسطنا
أن “العطاء” هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع دون ترجمة، وأن القلوب البيضاء مثل قلب هذا الرجل هي التي تجعل للحياة طعماً رغم برد الشتاء.
