بقلم: بسمة خالد
أخصائي الصحة النفسية والإرشاد الأسري
ليست كل أم تؤذي تفعل ذلك عن قسوة مقصودة، بعض الأمهات يحملن نمطًا نفسيًا يجعل الأمومة مساحة لإشباع احتياجاتهن الخاصة، لا مساحة للاحتواء. هنا نتحدث عن الأم النرجسية، تلك التي ترى أبناءها امتدادًا لصورتها، لا كأشخاص مستقلين لهم مشاعرهم واحتياجاتهم وحدودهم.
الأم النرجسية لا تحب كما نعرف الحب، تحب كما تحتاجه هي. تمنح القرب حين تشعر بالإعجاب، وتسحبه حين يختلف الابن أو يعبّر عن ذاته. الحب عندها مكافأة، لا حق. لذلك ينشأ الطفل وهو يسأل نفسه باستمرار: ماذا أفعل كي أُرضيها؟ لا: ماذا أشعر؟ ولا: ماذا أحتاج؟
في حضرة هذه الأم، يُلغى صوت الطفل تدريجيًا. مشاعره تُقلَّل، ألمه يُسخَر منه، إنجازه يُنسب إليها، وفشله يُحمَّل له وحده. وإن حاول الاعتراض، يُتَّهَم بالعقوق أو الجحود. هكذا يتعلم أن الصمت أأمن، وأن التنازل هو ثمن القبول.
المفارقة المؤلمة أن الأم النرجسية قد تبدو مثالية أمام الآخرين؛ أمًا مضحية، قوية، حاضرة دائمًا. أما خلف الأبواب المغلقة، فهناك طفل مرتبك، يشعر بالذنب لأنه لم يكن “كافيًا”، ويكبر وهو يحمل شكًا دائمًا في قيمته، وخوفًا من الرفض، وصعوبة في وضع حدود صحية في علاقاته لاحقًا.
أبناء الأمهات النرجسيات لا يعانون فقط في طفولتهم، في علاقاتهم العاطفية، واختياراتهم، وصورتهم عن أنفسهم. كثيرًا ما ينجذبون لشركاء يشبهون النمط ذاته، ويخلطون بين الحب والسيطرة، وبين الاهتمام والإلغاء.
الوعي هنا لا يعني كراهية الأم ولا إنكار فضلها، فهم ما حدث دون تزييف، والاعتراف بأن الأذى النفسي لا يُلغيه لقب “أم”. التعافي يبدأ حين يدرك الابن أن المشكلة لم تكن فيه، وأن له الحق في أن يُحِب ويُحَب دون شروط، وأن يضع حدودًا دون شعور بالذنب.
ليست كل أم نرجسية شريرة، هي جريحة لم تُعالَج، فنقلت جرحها. والمسؤولية الآن ليست في تغييرها، في إنقاذ النفس من تكرار الألم، وبناء صورة ذاتية لا تحتاج إلى تصفيق أحد كي تشعر بقيمتها.
