د. نادي شلقامي
لم تكن المطرقة التي هوت على منصة مجلس النواب المصري في يناير 2026 مجرد أداة خشبية لضبط الإيقاع أو استهلال المراسم، بل كانت دقاتها تعلن تدشين حقبة “السيادة النسائية” في أبهى صورها السياسية. تحت القبة الأيقونية بالعاصمة الإدارية الجديدة، تلك القبة التي تعانق طموح الدولة المصرية، سكنت الأصواتُ جميعاً لتصدح نبرةٌ نسائيةٌ واثقة، معلنةً انطلاق فصل تشريعي لا يقوده الحماس فحسب، بل يقوده الوعي وتزينه “نون النسوة” في تجلٍّ غير مسبوق. إن ما شهده برلمان 2026 هو “رد اعتبار” تاريخي للمرأة المصرية؛ حيث لم تعد مجرد “كوتة” أو رقماً تكميلياً في القوائم الانتخابية، بل أصبحت هي “الرقم الصعب” والفاعل الاستراتيجي الذي يدير منصة الحكم التشريعي ويصيغ هوية المستقبل.
في مشهدٍ حبس أنفاس المتابعين داخلياً وإقليمياً، ولأول مرة منذ بزوغ فجر الحياة البرلمانية المصرية قبل ما يزيد عن قرن ونصف، تشكلت هيئة مكتب الجلسة الإجرائية من قوام نسائي خالص. ترأست الجلسة النائبة القديرة د. عبلة الهواري، القامة القانونية والبرلمانية الرفيعة، لتقدم درساً بليغاً في الحنكة والوقار والتمكن من أدوات اللائحة، يعاونها في مشهدٍ جميل يعكس تواصل الأجيال وتدفق الدماء الجديدة أصغر العضوات سناً النائبتان سامية الحديدي وسجى هندي. هذا الثلاثي لم يُدر جلسة إجرائية روتينية فحسب، بل قدم للعالم “مانيفستو” مصرياً فريداً في “القيادة النسائية”، مبرهناً على أن الدولة المصرية في جمهوريتها الجديدة قد حطمت “الحاجز الزجاجي” الذي كان يحول بين المرأة ومنصات صنع القرار العليا إلى غير رجعة.
إن القوة الحقيقية لهذا البرلمان لا تكمن في تمثيله العددي الكمي الذي تجاوز حاجز الـ 26% فحسب، بل في “الكيف النوعي” الذي تجلى في فلسفة التعيين والاختيار. لقد جاءت الاختيارات الرئاسية لتمثل “عقل الدولة” التشريعي عبر نخب نسائية عابرة للتخصصات؛ فنجد تحت القبة اليوم عقولاً دبلوماسية وحقوقية فذة كالسفيرة نائلة جبر، وخبيرات في هندسة الاقتصاد والسياحة كالدكتورة عادلة رجب، ووجوه تكنولوجية تخاطب لغة المستقبل مثل ميرنا عارف (مديرة مايكروسوفت مصر). هذا الحشد لم يأتِ لمجرد التمثيل، بل ليكون “حائط صد” معرفي في مواجهة تحديات العصر.
وتمتد هذه الجسارة التشريعية لتشمل حصون العلم والطب، بوجود قامات مثل الدكتورة راندا مصطفى والدكتورة هناء العبيسي، واللواتي يمثلن العمق الأكاديمي والخدمي تحت القبة، جنباً إلى جنب مع القوة الناعمة والوعي المجتمعي الذي تجسده ثريا أحمد البدوي ومنال حمدي السيد. إن انخراط أسماء بوزن نشوة عقل، نهى عبد الرحمن، أمل عصفور، يارا عفت، شيرين طايل، وعايدة إسماعيل في اللجان النوعية، يعني أننا أمام “حكومة ظل تشريعية” نسائية بامتياز، تمتلك من الأدوات العلمية والرقابية ما يضمن إخضاع كل تشريع لمصفاة العقل والمنطق الصارم قبل أن يتحول إلى قانون ملزم.
إن “تزيين” المرأة المصرية لمجلس النواب الحالي ليس زينة الشكل أو الديكور السياسي، بل هو زينة الجسارة في قول الحق، والبراعة الفنية في صياغة التشريعات التي تمس حياة المواطن. لقد طوت مصر بوعي قيادتها وإرادة شعبها صفحة “التمثيل الصوري” للأبد، وفتحت المجلد الأول من كتاب “التمكين بالاستحقاق”. إن المطرقة التي استقرت في يد “عبلة الهواري” وزميلاتها هي أمانة ثقيلة في أعناق كل النائبات؛ لتثبت التجربة للعالم أن نون النسوة في مصر هي نون “النهضة”، ونون “النزاهة”، ونون “النجاح”.
فإلى نائباتنا تحت قبة العاصمة: لقد اعتليتن المنصة بوعيكن وخبراتكن، فاجعلن من حضوركن حصناً منيعاً لحقوق الشعب، ومن تشريعاتكن جسراً آمناً يعبر به الوطن نحو غدٍ أكثر إشراقاً وعدالة. إن مصر اليوم لا تكتب تاريخاً جديداً فحسب، بل ترسم ملامح وجهها الحديث، وهو وجهٌ يحمل بوضوحٍ ملامح المرأة المصرية القوية والمستنيرة.
