كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة
تتحول جزيرة غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، من منطقة جليدية نائية إلى واحدة من أبرز نقاط الصراع والتطوير الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين. يجذب موقعها الفريد وثرواتها المعدنية غير المستغلة وبيئتها الباردة اهتمام عمالقة التكنولوجيا والتمويل والمخططين الجيوسياسيين، مما يضعها في قلب معادلة إعادة تشكيل النفوذ العالمي، خاصة بين الغرب والصين، وفي سياق التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
الأبعاد الاستراتيجية: لماذا غرينلاند الآن؟
الموقع الجغرافي الفريد: تقع غرينلاند بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وتطل على المحيط المتجمد الشمالي. مع ذوبان الجليد، تفتح ممرات ملاحية جديدة (مثل الممر الشمالي الغربي) تقصر مسارات الشحن بين القارات، مما يزيد من قيمتها اللوجستية والعسكرية.
الاستقرار السياسي: كونها جزءاً ذاتي الحكم من مملكة الدنمارك (عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو)، توفر غرينلاند بيئة سياسية وقانونية مستقرة وجذابة للمستثمرين الغربيين، مقارنة بمناطق أخرى غنية بالمعادن.
التحول الجيوسياسي: في ظل سباق التكنولوجيا والتخفيض من الاعتماد على الوقود الأحفوري، أصبحت المعادن النادرة (التي تدخل في صناعة البطاريات والتوربينات والرقائق الإلكترونية والأسلحة المتطورة) سلاحاً استراتيجياً. تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تنويع مصادرها بعيداً عن الهيمنة الصينية، وتعتبر غرينلاند “خزاناً” محتملاً لهذه المعادن.
لاعبون ومشاريع: من يطرق باب الجليد؟
تحالف عمالقة التكنولوجيا: تدرس مجموعات استثمارية مرتبطة بـ بيل غيتس و جيف بيزوس و سام ألتمان (مدير OpenAI) فرصاً ضخمة طويلة الأجل. تركيزهم منصب على ثلاثة مجالات متشابكة:
تعدين المعادن الأرضية النادرة والعناصر الحرجة مثل النيوديميوم والبراسيوديميوم (للمغناطيسات الدائمة) والتربيوم (للتطبيقات العسكرية والتكنولوجية المتقدمة).
تطوير الطاقة النظيفة (طاقة الرياح، والكهرومائية، والهيدروجين الأخضر) لتشغيل عمليات التعدين والمشاريع المستقبلية، وجعلها مصدراً نظيفاً للطاقة.
بناء البنية التحتية لمراكز البيانات، حيث يوفر المناخ البارد بشكل طبيعي تبريداً مجانياً، وتوفر الطاقة الكهرومائية النظيفة مصدر طاقة مستداماً ومنخفض التكلفة لتشغيل هذه الخوادم الضخمة.
رؤى “الطوباوية” التكنوقراطية: تدرس مجموعات مقربة من الملياردير بيتر ثيل فكرة أكثر جرأة وهي إنشاء “مدينة بداية” أو منطقة حرة مستقلة، تعمل كمختبر لأنظمة الحوكمة الرقمية، والنماذج الاقتصادية اللامركزية، والقوانين المرنة التي تشجع الابتكار خارج الأطر التقليدية. هذه الفكرة، وإن كانت نظرية إلى حد كبير، تعكس الرغبة في إعادة تخيل المجتمعات من الصفر في مناطق “بكر”.
المتابعة الأمريكية والغربية: تتابع واشنطن وحلف الناتو هذه التحركات عن كثب. قاعدة “ثول” الجوية الأمريكية في غرينلاند تعد جزءاً حيوياً من نظام الإنذار المبكر للصواريخ. أي تحول في الجزيرة سيؤثر على حسابات الدفاع والأمن القومي للغرب، ويمكن أن يحولها إلى محور للانتشار الدفاعي ومراقبة الأنشطة في القطب الشمالي.
التحديات والعقبات الكبرى
المعارضة والقلق المحلي: سكان غرينلاند الأصليون (الإينويت) البالغ عددهم نحو 56 ألف نسمة، عبروا مراراً عن مخاوف جدية. فهم يخشون من:
الكارثة البيئية: تهديد النظم الإيكولوجية البكر التي يعتمد عليها صيد الأسماك والفقمة، وهو عماد اقتصادهم التقليدي وثقافتهم.
الاستعمار الاقتصادي: استغلال مواردهم دون أن تعود الفائدة بالتنمية الحقيقية والمستدامة على مجتمعاتهم الصغيرة.
التغيير الديمغرافي والثقافي: تدفق أعداد كبيرة من العمال الأجانب قد يطمس هويتهم.
التحديات اللوجستية الهائلة: البناء في مناخ قطبي قاس، مع عدم وجود بنية تحتية شاملة (طرق، موانئ، اتصالات) عبر الجزيرة الشاسعة، يتطلب استثمارات ضخمة ووقتاً طويلاً، مما يجعل التكاليف من بين الأعلى في العالم.
المخاطر البيئية العالمية: عمليات التعدين واسعة النطاق قد تسرع من تلوث المناطق البكر وتذويب الجليد، مما له عواقب عالمية. هذا يخلق توتراً بين ضرورة المواد الخام للتحول الأخضر، والأضرار البيئية المحلية لاستخراجها.
سيناريوهات مستقبلية محتملة
سيناريو التطور المتوازن (المتفائل): تعاون دولي وشفاف يحقق توازناً بين التنمية الاقتصادية المستدامة، وحقوق السكان المحليين، والحماية البيئية، مع استفادة الغرب من مورد استراتيجي جديد.
سيناريو بؤرة التوتر (المتشائم): تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة/الاتحاد الأوروبي ضد الصين/روسيا) على النفوذ، مع إغفال مطالب السكان، مما يؤدي إلى احتجاجات وعدم استقرار، وتحول الجزيرة إلى نقطة نزاع جيوسياسي.
سيناريو التباطؤ (الواقعي): تفوق التحديات اللوجستية والبيئية والمالية، مما يؤدي إلى تأخير كبير في المشاريع أو تقليصها، مع بقاء الجزيرة منطقة ذات أهمية إستراتيجية نظرية أكثر منها عملية لعقود مقبلة.
