بقلم : أحمد رشدي
كانت الصداقة قديمًا مساحة إنسانية خالصة، تُبنى على القرب الحقيقي لا على عدد الساعات المتصلة، وعلى الحضور الصادق لا على سرعة الرد.
كان الصديق وطنًا صغيرًا، نلجأ إليه حين تضيق بنا الأيام، فنجد في كلماته طمأنينة، وفي وجوده أمانًا، وفي مشاركته عبئًا يخف قبل أن يُقال. كانت الثقة متبادلة، عميقة، لا تحتاج إلى توثيق، ولا إلى إشارات رقمية تثبتها.
في ذلك الزمن، كانت اللقاءات هي جوهر الصداقة. نجلس طويلًا، نتحدث بلا عجلة، نختلف ثم نتصالح، نضحك ثم نصمت،
وكل ذلك كان جزءًا من لغة إنسانية كاملة لا تختزلها الكلمات.
كان الحوار المباشر يصنع القرب، وكانت النظرة تفهم ما تعجز الجملة عن قوله.
الصديق كان حاضرًا بالفعل، يُعتمد عليه، وتُشارك معه التفاصيل الصغيرة قبل القرارات الكبرى.
اليوم تغيّر المشهد وتبدلت أدوات التواصل. لم تعد الصداقة قائمة على اللقاء، بل على شاشة، ولم تعد الحوارات تمتد بالساعات، بل اختُزلت في شات سريع، أو تسجيل صوتي عابر، أو إيموجي يعبّر بدلًا عن الكلمات.
أصبح التواصل بين الأصدقاء يتم أحيانًا عبر مشاركة لعبة على الإنترنت، أو إرسال رمز ضاحك أو حزين، في محاولة سريعة لاختصار المشاعر دون الغوص فيها.
ومع هذا التحول، توقفت الكثير من اللقاءات القديمة التي كانت تُنعش الروح، وتراجع الحوار العميق الذي كان يُبنى عليه الفهم المتبادل. صارت العلاقات أسرع، لكنها أكثر هشاشة. نعرف أخبار بعضنا من الصور، ونشارك اللحظات عبر منشورات، لكننا نفتقد الجلوس الحقيقي الذي كان يخلق الألفة ويصنع الذكريات.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي والأجهزة اللوحية إلى تفاصيل الحياة اليومية، ازداد الأمر تعقيدًا. صار الإنسان يجد من يرد عليه فورًا، ويحادثه بلا ملل، فخفّ شعوره بالحاجة إلى الصديق، وتراجع الاعتماد المتبادل الذي كان ركيزة الصداقة القديمة.
لم تعد الشكوى تُقال لصديق، بل تُكتب على شاشة، ولم تعد المواساة فعل حضور،
بل رسالة تُقرأ ثم تُنسى.
لكن السؤال الجوهري يظل حاضرًا: هل اختلفت الصداقة أم اختلفنا نحن
هل فقدت الصداقة قيمتها أم فقد الإنسان صبره على بنائها
الحقيقة أن جوهر الصداقة لم يتغير، لكنها أصبحت تُختبر في زمن لا يمنح العلاقات الوقت الكافي للنضج.
الصداقة الحقيقية لا تزال قائمة على الصدق، والثقة، والمواقف، لكنها تحتاج اليوم إلى وعي أكبر، وإصرار على استعادة المعنى الإنساني وسط هذا الزخم الرقمي.
ستظل الصداقة فعلًا إنسانيًا لا تصنعه الإيموجي، ولا تعوّضه الألعاب المشتركة، ولا تختصره الرسائل الصوتية.
ستظل بحاجة إلى لقاء، وإلى حوار،
وإلى قلب يصغي قبل أن يكتب، لأن الإنسان، مهما تقدمت التكنولوجيا، لا يعيش وحده، ولا يكتمل إلا بالآخر.
