عبد الحفيظ يونس
عندما تكرّم الدولة بائع الصحف
في زمن الشاشات والقراءة السريعة، اختارت فرنسا أن تلتفت إلى رصيفها الثقافي. حين كرّم الرئيس إيمانويل ماكرون علي أكبر، آخر بائع صحف متجول في باريوس، لم يكن الحدث مجرد وسام يُعلّق على صدر رجل سبعيني، بل كان تحية صامتة لفكرة تكاد تختفي: القراءة كفعل يومي، والثقافة كأسلوب حياة.
علي أكبر، القادم من باكستان في سبعينيات القرن الماضي، قضى أكثر من نصف قرن يبيع الصحف في الحي اللاتيني وسان جيرمان دي بريه، حيث كانت الجريدة تُقرأ وتُناقش وتُختلف حولها. لم يكن مجرد بائع، بل جزءاً من ذاكرة المدينة، ومن طقوسها الثقافية البسيطة والعميقة في آن.
هذا التكريم لا يخص شخصاً واحداً بقدر ما يخص مهنة آيلة للاندثار، وجيلاً من القرّاء، وعلاقة قديمة بين الإنسان والورق. إنه تذكير بأن التحول الرقمي، مهما بلغ، لا يُلغي قيمة الرموز التي صنعت الوعي الجمعي.
فرنسا، التي كانت ولا تزال إحدى عواصم الإبداع في أوروبا، تدرك أن قوة الأمم لا تُقاس بسرعة الإنترنت، بل بقدرتها على احترام حراس ثقافتها، حتى وإن كانوا بائع صحف يقف وحيداً على الرصيف.
