د. نادي شلقامي
في زمن التحديات الاقتصادية العالمية والمحلية المتلاحقة، تبرز مصر كقصة صمود وإصرار، وفي قلب هذه القصة يقف المغتربون المصريون كـ”سفراء التنمية” الحقيقيين. هم ليسوا مجرد أرقام في جداول التحويلات، بل هم دماء نابضة تغذي الاقتصاد الوطني، يدعمون الأسر، يبنون المستقبل، ويحملون لواء مصر في كل أرجاء العالم. رغم الغربة والصعوبات، يظلون أوفياء للوطن، يرسلون مليارات الدولارات سنويًا، يتجاوزون الأزمات، ويواجهون انتقادات غير مبررة من بعض الأصوات الإعلامية التي تتجاهل تضحياتهم. هذا التقرير الاستقصائي يعيد التأكيد على دورهم الحيوي كشركاء أساسيين في التنمية، مدعومًا ببيانات حديثة حتى 2026، ويرد على الاتهامات بالحقائق، ويحتفي بصوتهم كأمل مصر في غد أفضل.
أولاً… الإسهامات الاقتصادية للمغتربين..
(عمود فقري يزداد قوة…. )
— يقدر عدد المغتربين المصريين بحوالي 10-14 مليون شخص (حسب تقديرات رسمية ودولية حتى 2025-2026)، يتركزون في دول الخليج (السعودية، الإمارات، الكويت)، أوروبا، أمريكا، وأستراليا.
— هؤلاء يشكلون أكبر مصدر للعملة الأجنبية لمصر، متفوقين على إيرادات قناة السويس والسياحة مجتمعين في كثير من السنوات.
— في 2024، بلغت التحويلات حوالي 29.6 مليار دولار، بزيادة 51.3% عن 2023، مما ساعد في تخفيف أزمة العملة الأجنبية.
— خلال الأشهر الـ 11 الأولى من 2025، سجلت التحويلات قفزة تاريخية بنسبة 42.5%، لتصل إلى نحو 37.5 مليار دولار (مقارنة بـ26.3 مليار في الفترة نفسها من 2024)، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري (يناير 2026). وفي نوفمبر 2025 وحدها، ارتفعت بنسبة 39.9% إلى 3.6 مليار دولار.
— في السنة المالية 2024/2025، بلغت التحويلات مستوى قياسيًا يقارب 36.5 مليار دولار، بزيادة 66.2% عن السنة السابقة.
— تستمر الزيادة في 2025/2026، حيث ارتفعت في الربع الأول (يوليو-سبتمبر 2025) بنسبة 29.8% إلى 10.8 مليار دولار، وفي الربع الثالث بلغت 10.8 مليار دولار كأعلى مستوى ربعي.
— هذه الأموال لا تقتصر على الدعم المباشر؛ بل تستثمر في بناء المنازل، إنشاء مشروعات صغيرة، خلق فرص عمل، وتقليل الفقر، كما أكدت منظمة الهجرة الدولية، مما يعزز الاقتصاد الريفي والحضري ويبني طبقة متوسطة أقوى.
ثانيًا…. وقوف المغتربين مع مصر في كل الظروف.. (شهادات تاريخية حية…)
— من أزمة كورونا إلى تداعيات حرب أوكرانيا والأزمات الإقليمية، كان المغتربون حاجزًا واقيًا. زادت تحويلاتهم رغم الركود العالمي، غطوا جزءًا كبيرًا من فواتير الواردات، وساهموا في استقرار الأسعار.
— في دول الخليج، يعملون كسفراء ثقافيين وسياسيين، يروجون لمصر في برامج مثل “رؤية مصر 2030″.
— أما في أوروبا وأمريكا وأستراليا، فيبنون لوبيات تدعم المصالح الوطنية ويشاركون في التبادل العلمي والثقافي.
ثالثًا… الرد على الانتقادات..
(رفض الظلم والابتزاز بصدق وتأكيد قاطع)
— بعض الإعلاميين البارزين علي الساحة الإعلامية المصرية، يوجهون اتهامات مباشرة وغير مبررة للمغتربين، محملين إياهم مسؤولية الأزمات الاقتصادية بدلاً من نقد السياسات الحكومية أو التحديات العالمية.
— هذه الانتقادات ليست مجرد آراء عابرة، بل حملات منظمة تعكس ابتزازًا نفسيًا، وتستحق الرد الواضح والمفصل لتبيان الحقيقة دون مواربة أو تجميل.
1- الاتهام بالخيانة وعدم الولاء:
في يناير 2026، أثار إعلامي بارز ودائما مثيرا للجدل.. أثارغضبًا واسعًا بين المغتربين عندما وصف من لا يحول أمواله عبر البنوك الرسمية بـ”الخائن” الذي يشارك في مؤامرة ضد الدولة.
— هذا التصريح، الذي انتشر في فيديوهات ومنشورات إعلامية، يتجاهل الواقع الذي يدفع المغتربين للتحويل عبر قنوات غير رسمية، مثل فروق الأسعار في السوق السوداء أو تعقيدات النظام المصرفي. كما أنه ينكر أن هؤلاء المغتربين هم أنفسهم الذين ساهموا بـ37.5 مليار دولار في 2025 وحدها، مما يثبت ولاءهم بالأفعال لا بالكلام. هذا الاتهام غير صادق، إذ أن الغالبية العظمى من التحويلات تأتي منهم طوعًا، رغم مواجهتهم لضغوط اقتصادية في بلدان الإقامة، مثل ارتفاع التضخم في دول الخليج أو أوروبا.
2- التهديد بـ”تجويع البلد”:
-إعلاميون بارزون يهددون المغتربين بأنهم إذا توقفوا عن التحويلات، سيتسببون في “تجويع” مصر، محولين الدعم الطوعي إلى واجب إجباري. في حلقات تلفزيونية حديثة (2024-2025)، أكدوا أن المغتربين مسؤولون عن أزمة العملة، متجاهلين أن الديون الخارجية لمصر بلغت أكثر من 160 مليار دولار بحلول 2025، وأن الغلاء الداخلي ناتج عن سياسات داخلية مثل رفع أسعار الوقود والكهرباء.
— هذا النهج يعكس عدم صدق، لأن البيانات الرسمية من البنك المركزي تؤكد أن التحويلات زادت بنسبة 66.2% في 2024/2025، مما ينفي أي تقصير من جانبهم. بل إن هؤلاء الإعلاميين يتجاهلون أن المغتربين يدعمون نحو 50% من السكان داخل مصر، من خلال تغطية تكاليف التعليم، الصحة، والمعيشة لعائلاتهم.
3- وصف المغتربين بالغباء أو عدم الذكاء:
— إعلاميون آخرون استخدموا عبارات مثل “أغبياء” أو “غير وطنيين” لمن يبحث عن فرص أفضل خارج مصر، زاعمين أنهم فروا من “رفاهية” الوطن. هذا غير دقيق تمامًا؛ فالمغتربون غادروا بسبب البطالة (التي بلغت 7.5% في 2025)، والفقر، والفرص المحدودة داخليًا، لكنهم ظلوا أكبر داعمين ماليًا. في الواقع، ساهموا في تجاوز أزمات مثل الثورات، الحروب الإقليمية، والجائحة، حيث زادت تحويلاتهم بنسبة 42.5% في 2025 رغم الركود العالمي. يجب مساءلة الوزارات الاقتصادية عن إدارة الديون والغلاء، لا اتهام المغتربين الذين هم ضحايا هذه السياسات.
— هذه الانتقادات غير مبررة وغير صادقة، إذ تعتمد على تعميمات وتجاهل الحقائق الاقتصادية.
— المغتربون ليسوا “شماعة” لفشل السياسات، بل أذكياء في ولائهم، ويستحقون التقدير لا الابتزاز. أي محاولة للضغط عليهم قد تؤدي إلى عكس النتيجة، كما حدث في حملات سابقة أدت إلى دعوات غاضبة لإيقاف التحويلات.
رابعًا…. تحية للأستاذ عمرو أديب..
( صوت العقل والإنصاف…)
— في وجه هذه الحملات، يبرز عمرو أديب كداعم شرس للمغتربين. في برنامجه “الحكاية”، رفض فرض ضرائب إضافية عليهم (كرسوم الهواتف أو المنازل)، معتبرًا إياهم “ثروة وطنية” يجب حمايتها وحوافزها. دعا إلى معاملتهم كمواطنين متساوين، وفتح أبواب الاستثمار والأمل، مؤكدًا أن تقديرهم مفتاح الاستقرار.<
خامسا…دور مصر في تعزيز ودعم المصريين المغتربين…
— أكدت وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج استمرار تنفيذ استراتيجية وطنية لتعزيز الروابط مع المغتربين ودعمهم، من خلال عدد من الآليات والمبادرات الملموسة والممولة حتى عام 2026.
جاء ذلك عبر عدة محاور رئيسية، تمثلت في..
1- تعزيز البنية المؤسسية للخدمات، حيث يستمر تقديم الخدمات القنصلية والقانونية المستقلة، وتم تخصيص اعتمادات مالية في موازنة 2024/2025 لتطوير هذه الخدمات، بما في ذلك الانتهاء من إجراءات إنشاء صندوق طوارئ لدعم المغتربين في الحالات الطارئة.
2- وعلى صعيد الحوار، تواصل الوزارة تنظيم مؤتمر “المصريين بالخارج” سنوياً، وإطلاق مبادرات حوارية مثل “اسأل واقترح” للتواصل المباشر مع المغتربين.
3- ولتحفيز الاستثمار والتحويلات المالية، أطلقت بالتعاون مع البنك المركزي والبنوك الوطنية مبادرة “افتح حسابك في مصر” لتسهيل فتح الحسابات المصرفية بالدولار، إلى جانب طرح منتجات مالية مثل الشهادات الدولارية.
4- وفي مجال الخدمات، تم العمل على رقمنة الإجراءات القنصلية لتجديد الوثائق والجوازات، بهدف تقليل الوقت والتكلفة على المواطنين.
5- كما تشمل المبادرات التنموية والاجتماعية برنامج “بيتك في مصر” الذي يطرح وحدات سكنية وأراضي بتقسيط، ومشروع “مزرعتك في مصر” للاستثمار الزراعي، ومبادرة “مراكب النجاح” لمكافحة الهجرة غير الشرعية، ومبادرة “اتكلم عربي” للحفاظ على الهوية.
6- ويتم هذا في إطار تعاون دولي مع منظمات مثل منظمة الهجرة الدولية، لتنفيذ برامج تستهدف إشراك المغتربين في جهود التنمية المحلية.
وختاما….
— فإن المغتربين المصريين ليسوا مجرد مصدر مالي عابر؛ هم سفراء التنمية، أبطال صامتون يحملون هم الوطن في كل لحظة غربة. في 2025 و2026، أثبتوا بأرقام قياسية (37.5 مليار دولار في 11 شهرًا من 2025) أنهم العمود الفقري للصمود الاقتصادي، يتجاوزون التحديات ويبنون مستقبلًا أفضل. الانتقادات غير المبررة تعكس قصورًا في التقدير، بينما يستحقون الثناء والحماية كما يقدمه عمرو أديب وغيره من أصوات العقل.
— على الدولة أن ترد بالشفافية، توفر الحوافز، تحمي حقوقهم، وتفتح أبواب الشراكة الحقيقية. فهم ليسوا كبش فداء، بل هم الأمل الحقيقي لمصر؛ أبطال وطنيون يستحقون التاج، لا الاتهام. تقديرهم ليس مجرد واجب أخلاقي، بل استثمار استراتيجي في مستقبل مزدهر يليق بمصر العظيمة.
— سف
راء التنمية.. شكرًا لكم، فأنتم مصر في أجمل صورها.
