بقلم د.نادي شلقامي
منذ أن انطلق صوت “أحمد سالم” مجلجلًا بعبارته الخالدة “هنا القاهرة” في الرابع والثلاثين من القرن الماضي، لم تكن الإذاعة المصرية مجرد وسيلة لبث الأنباء، بل كانت إعلانًا عن ميلاد “دولة الميكروفون” التي بسطت سيادتها الثقافية والسياسية من المحيط إلى الخليج.
إن الإذاعة المصرية هي الحارس الأمين على الهوية العربية، والظهير الإعلامي الذي صاغ الوجدان الجمعي للأمة، محولةً الهواء إلى جسرٍ تعبر عليه مبادئ التحرر، ورايات التنوير، وأصالة الفن.
نحن هنا بصدد الحديث عن مؤسسة لم تكن تابعة للسياسة بقدر ما كانت هي صانعةً للمناخ السياسي وموجهةً لبوصلة الشعوب في أحلك الظروف التاريخية.
الباب الأول…النشأة والتأثير الجيوسياسي
أولاً….إذاعة البرنامج العام..
(الرسمية والهوية)
1- النشأة: انطلقت في 31 مايو 1934 كأول بث إذاعي حكومي رسمي في مصر، لتبدأ عصر الإعلام المؤسسي.
2- نطاق التغطية: تغطي كافة ربوع القطر المصري من الإسكندرية إلى حلايب وشلاتين، وتصل عبر الموجات القصيرة والمتوسطة إلى عمق القارة الأفريقية وحوض البحر المتوسط، مما جعلها المرجع الأول للخبر الرسمي.
3- الدور الثقافي: هي حامية اللغة العربية الفصحى، ومدرسة الأجيال في الأدب والفكر.
4- الارتباط الشعبي: شكلت وجبات إبداعية يومية ارتبطت في ذاكرة المواطن بالانضباط والوعي (مثل “ساعة لقلبك”، “أبلة فضيلة”).
ثانياً….إذاعة صوت العرب…
( سلاح التحرر القومي )
1- النشأة: تأسست في 4 يوليو 1953، بتوجيه مباشر من القيادة السياسية لتكون لسان حال الأمة العربية.
2- نطاق التغطية: صُممت لتغطي كافة الدول العربية من الخليج إلى المحيط، ووصل بثها العابر للقارات إلى مناطق النفوذ الاستعماري في ذلك الوقت، محطمةً الحواجز الجغرافية.
3- قوة التأثير: كانت هذه الإذاعة “الصاروخ العابر للحدود” الذي استخدمته القيادة السياسية المصرية لدعم الثورات العربية (من الجزائر إلى اليمن).
4- الرمزية: تحولت أصوات مذيعيها إلى كوابيس تؤرق الاستعمار، مما جعلها أول نموذج عملي للإعلام الموجه لتحقيق المصالح القومية العليا.
ثالثاً… إذاعة الشرق الأوسط..
( حداثة الرسالة وسرعة الانتشار )
1- النشأة: بدأت بثها في 30 مايو 1964 كإذاعة إعلانية ترفيهية ذات طابع خدمي وسريع.
2- نطاق التغطية: تميزت بتغطية إقليمية واسعة جذبت المستمعين في بلاد الشام ودول الخليج بفضل أسلوبها المرن، مما جعلها “الإذاعة العربية الأكثر جماهيرية” في السبعينيات والثمانينيات.
3- القوة الناعمة: استطاعت عبر المنوعات والدراما الإذاعية أن تجعل من اللهجة المصرية لغةً ثانية لكل عربي، مما رسخ الريادة المصرية في الفن والترفيه الهادف.
رابعاً… إذاعة القرآن الكريم والشبكة الموجهة
1- إذاعة القرآن الكريم: انطلقت في 25 مارس 1964 لتكون الأولى من نوعها في العالم، وتغطي ببثها معظم بقاع الأرض، ممثلةً القوة الروحية لمصر والوسطية الإسلامية.
2- الإذاعات الموجهة: بدأت بتوجيهات ثورية منذ الخمسينيات، وتبث اليوم بـأكثر من 20 لغة عالمية، وهي لسان مصر الذي يتحدث للعالم، ويشرح وجهة النظر المصرية في القضايا الدولية من قلب القاهرة.
الباب الثاني… قامات خلف الميكروفون..
(سدنة الفكر وفرسان الكلمة)
لم تكن الإذاعة المصرية لتصل إلى هذه المكانة السيادية لولا نخب مختارة من المبدعين الذين أداروا معارك الوعي ببراعة، ومنهم:
1- أحمد سعيد: صوت الثورة والتحرر العربي الذي هز عروش الاستعمار عبر “صوت العرب”.
2- بابا شارو (محمد محمود شعبان): الذي صاغ وجدان الطفل المصري والعربي تربوياً وقيمياً.
3- آمال فهمي: رائدة الحوار الإذاعي التي نقلت نبض الشارع إلى أروقة الدولة بذكاء وحنكة.
4- طاهر أبو زيد وحسني الحديدي: قامات اتسمت بالرصانة والقدرة الفائقة على تطويع اللغة لخدمة الرسالة الوطنية.
5- صفية المهندس: “أم الإذاعيين” التي جسدت قيم الأسرة المصرية والعربية في أسمى صورها.
الباب الثالث …الإذاعة في أتون الحرب وصناعة النصر..
لطالما كانت الإذاعة المصرية هي “غرفة العمليات الإعلامية” في كافة المنعطفات العسكرية للجمهورية:
1- في حرب الاستنزاف: كانت الإذاعة هي المحرك لرفع الروح المعنوية، والناقل الصادق لبطولات المقاتل المصري، مما حافظ على تماسك الجبهة الداخلية.
2- ملحمة أكتوبر 1973: تجلى الدور السيادي للإذاعة في “خطة الخداع الاستراتيجي”، ثم في لحظات العبور العظيم، حيث كان الميكروفون يسبق الرصاص في إعلان النصر وزلزلة كيان العدو ببيانات عسكرية صِيغت بحرفية أذهلت العالم.
3- إدارة المعركة النفسية: نجحت الإذاعة في كسر شوكة الدعاية المضادة، وأثبتت أنها سلاح لا يقل أهمية عن المدافع في حسم الصراعات المصيرية.
الباب الرابع….الأثر الاستراتيجي والسيادي للإذاعة المصرية
1- الأمن القومي الثقافي: مواجهة الأفكار المتطرفة والدخيلة من خلال محتوى وطني رصين.
2- إدارة الأزمات: كانت الإذاعة دائمًا “غرفة العمليات” التي تعبئ الرأي العام وتوحد الصفوف في أوقات الحروب والأزمات الكبرى.
3- التحديث والتكيف الرقمي (السيادة التكنولوجية):
— لم تقف الإذاعة عند حدود البث التقليدي، بل انتقلت بذكاء إلى فضاء العصر الرقمي. فمن خلال البث عبر الأقمار الصناعية (نايل سات) وتدشين منصات البث الرقمي والتطبيقات الذكية، استعادت الإذاعة قدرتها على اختراق الحدود الافتراضية.
— هذا التطور مكنها من مواجهة الإعلام المضاد المعاصر والشائعات الممنهجة في “حرب المعلومات”، لتظل الإذاعة المصرية هي المصدر الموثوق الذي يجهض محاولات تزييف الوعي لدى المواطن المصري والعربي على حد سواء.
4- الريادة الإقليمية: الإذاعة المصرية هي التي ثبتت مكانة القاهرة كمركز ثقل إعلامي، لا تزال أصداؤه تمنح الدولة المصرية أفضلية تاريخية في المحافل الدولية.
— بلاغة الختام واستشراف المستقبل
وختامًا، إن الإذاعة المصرية ليست تراثًا يُحفظ في الأرشيف، بل هي طاقةٌ حية، وقوةٌ ضاربة في معركة الوعي التي تخوضها الدولة المصرية الحديثة. إنها “محرابُ الكلمة” التي لم تخن يومًا أمانة الوطن، وظلت على عهدها صوتًا للحق، ونبضًا للأمة. وإذ نحتفي بيوم الإذاعة العالمي، فإننا نجدد التأكيد على أن الميكروفون المصري سيبقى دومًا هو المصدر والمنبع، والمنبر الذي تتعلم منه الأجيال معنى الانتماء، فستظل “هنا القاهرة” هي الكلمة التي تضبط عليها العروبة ساعتها، وتستمد منها شموخها.
