كنتُ، لوقتٍ طويل، أعتقد أن الأدب النسوي وحده هو الذي يحمل ذلك التردّد العميق في البوح، وأن الكاتبة هي التي تتوجّس من أن تُقرأ نصوصها بوصفها اعترافًا شخصيًا أو سيرةً مستترة. كنت أظن أن المجتمع يطارد المرأة بأسئلته وتأويلاته، فيجعلها تخشى أن تنشر ما يفيض به قلبها، خشية أن تُحاسَب على خيالها كما لو كان واقعًا معاشًا.
لكنّي مع مرور التجربة، ومع كثرة ما طالعتُ من نصوص واحتككتُ من أقلام، أدركت أن هذا القيد لا يخصّ النساء وحدهن. اكتشفتُ أن رجالًا كثيرين—شعراء وكتّابًا ومبدعين—يخشون البوح هم أيضًا، ويتردّدون في رفع الحجاب عن أعماقهم، كأنّ الصراحة تجرّدهم من شيءٍ ما، أو تكشف هشاشة يحرصون على إخفائها تحت رداء القوة أو الوقار الاجتماعي.
وأعترف—بكل صدق—أنني كنت واحدًا من هؤلاء.
كنتُ أكتب وأتلفّت، أختار الكلمة ثم أتردد في نشرها، وكأنّ هناك عينًا غامضة تراقبني، أو محكمة خيالية جاهزة لاتهام كل حرفٍ يخرج عن السياق المألوف. كنت أخشى أن يقرأني الناس لا كنصٍّ أدبي، بل كوثيقةٍ شخصية أُدان بها، أو كمرآةٍ تكشف ما لا أريد إظهاره.
غير أنّ الإنسان لا يبقى على حال.
ومع الوقت، ومع الاحتكاك بالنصوص التي تجرؤ على قول ما نعجز عنه، ومع إدراك أن الأدب ليس سيرة ذاتية بالضرورة بل عالمٌ موازٍ يتناًسل من الخيال والوجدان معًا، بدأتُ أرى في نفسي شيئًا من الجرأة التي ظللت أبحث عنها طويلًا.
اليوم… أشعر بشجاعةٍ مختلفة.
شجاعة أن أكتب ما يمليه عليّ عقلي وقلبي دون أن أُنصّب العالم وصيًا على مشاعري، ودون أن أختبئ في ظلال الكلمات خوفًا من سوء تأويل أو حكمٍ مسبق. فما الذي يجعل الكاتب يكتب إن لم يكن ليقول ما لا يقوله في حياته اليومية؟ وما الحاجة للأدب إن لم يكن مساحةً للحقيقة الحرة، لا الحقيقة الخاضعة لرقابة المجتمع؟
لقد أدركتُ أن الناس—مهما اختلفت أعمارهم وطباعهم وثقافاتهم—يشبهون أقلام التلوين.
قد لا يعجبك لوني، وقد لا يعجبني لونك، لكنّ جمال الصورة لا يكتمل إلا بتجاور كلّ تلك الألوان، الفاتح منها والغامق، الصارخ والهادئ، الهادئ والمتمرد. والأدب، في نهاية الأمر، ليس محاولة لإرضاء الجميع، بل محاولة لإضاءة جانب من الذات لا يستطيع الضوء العادي الوصول إليه.
فالكتابة ليست جريمة، والبوح ليس ضعفًا، والصراحة ليست عيبًا.
هي فقط مستويات مختلفة من الشجاعة. شجاعة أن ترفع ستارة روحك قليلًا، وتسمح للعالم أن يرى ما خلفها، ولو لثانيةٍ واحدة. ومن لا يتقبّل لونك، فذلك حقه؛ لكنه لا يستطيع أن يمنعك من أن تكون جزءًا من اللوحة الكبرى، لوحة الوجود الإنساني بكل تناقضاته وخيباته وشغفه.
وهكذا، أكتب اليوم بقلبٍ أوسع من الأمس، وبقناعة أنّ الأدب لا يحيا إلا حين نثق بأنفسنا بما يكفي لنترك الكلمات تمشي حافية، دون خوفٍ من أن تجرحها نظرات المارة.
يونس عـــبد الحفيـــ.ـظ
