كتب /احمد حشيش
لم يكن الرومان بطبعهم شعباً فنياً، فقد كانوا قبل أغسطس محاربين وكانوا بعده حكاماً، يرون أن استقرار النظام واستتباب الأمن على أيدي الحكام خير أعظم وواجب أنبل من الخلق والجمال أو الاستمتاع به. وكانوا يبتاعون أعمال الأساتذة الموتى بأعلى الأثمان، ولكنهم كانوا يحتقرون الفنانين الأحياء ويحشرونهم في زمرة الخدم. ومن اقوال سنكا وهو الرجل الرحيم الشفيق: “إنا وإن كنا نعبد التماثيل لنحتقر الذين يصنعونها”، وكان يبدو لهم أن أشرف سبل الحياة سبيل القانون والسياسة؛ أما الفنون البدوية فكان أشرفها لديهم الزراعة (إذا صح أن تعد الزراعة فناً من الفنون). وكان معظم رجال الفن في رومة، إذا استثنينا المهندسين المعماريين، من اليونان الأرقاء أو المحررين أو المستأجرين، وكانوا كلهم يعملون بأيديهم ويعدون من طبقة الصناع، ولم يعن المؤلفون اللاتين قط بذكر أسمائهم أو حوادث حياتهم، ومن أجل هذا يكاد رجال الفن الروماني كلهم أن يكونوا مجهولي الأسماء، فليس ثمة شخصيات حية تصبغ تاريخه صبغة إنسانية أو تضيئها كما يضيء ميرون Myron، وفدياس، وبركستيلز Praxiteles، وبروتوجنيس Protogenes قصة الفنون الجميلة في بلاد اليونان. ففيه يضطر المؤرخ إلى الحديث عن الأشياء لا عن الأشخاص، وأن يحصي النقود، والآنية، والتماثيل، والنقوش، والصور، والمباني، ويبذل في ذلك جهد اليائس لعله يستطيع بما يبذله من الكد في جمعها أن يصور للقارئ صورة عظمة رومة المليئة بأسباب العظمة. ذلك أن منتجات الفن تستهوي العين أو الأذن، أو اليد، أكثر مما تستهوي العقل، ويذهب جمالها أو يكاد إذا خففته فأحلته أفكاراً وألفاظاً. وليس عالم التفكير إلا واحداً من عوالم كثيرة لكل فكرة عالمها الخاص، ومن أجل هذا كان لكل فن وسيلته الخاصة التي ينفذ بها إلى النفوس، والتي لا يمكن أن تستحيل ألفاظاً وكلاماً، وحتى الفنان نفسه إذا كتب عن الفن فإنه يعجز عن تصويره.
وثمة سحابة قائمة مشئومة تغشي سماء الفن الروماني خاصة: تلك هي أننا نصل إليه عن طريق الفن اليوناني الذي يبدو في أول الأمر أنه المثل الذي احتذاه، والمرشد الذي اهتدى بهديه. وكما أن مشاعرنا تضطرب لما نشاهده في فن الهند من صور وأشكال غريبة، فكذلك تخمد جذوة عواطفنا لما في الفن الروماني من تكرار ممل للصور والأشكال المألوفة، ولقد تحدثنا من قبل عن الأعمدة والتيجان الدُّورية والأيونية والكورنثية، كما تحدثنا عن النقوش الملساء التي اتخذت مثلاً أعلى يحتذى؛ وقد كانت التماثيل النصفية للشعراء والحكام والآلهة، والمظلمات المدهشة التي تكشفت عنها آثار بمبي منقولة كما يقول لنا المختصون عن أصول يونانية. ولم يكن هناك فن روماني الأصل سوى الطراز “المركب”، وهو الذي ننفر منه لتعارضه مع فكرتنا عن الوحدة والبساطة والتقيد التي ألفناها في الفن القديم. وما من شك في أن فن رومة في عصر أغسطس كان فناً يونانياً بقضه وقضيضه، فقد انتقلت أشكال الجمال وطرائقه ومثله العليا من بلاد اليونان إلى الفن الروماني عن طريق صقلية وإيطاليا اليونانية، وعن طريق كمبانيا وإتروريا، وأخيراً من بلاد اليونان نفسها والإسكندرية والشرق المصطبغ بالصبغة اليونانية؛ ولما أن أصبحت رومة سيدة بلاد البحر الأبيض المتوسط أقبل الفنانون اليونان إلى مركز الثروة والرعاية الجديد وأخرجوا صوراً لا حصر لها من روائع الفن اليوناني للهياكل والقصور والميادين الرومانية، وكان كل فاتح يحمل معه إلى بلاده نماذج من هذه الروائع، وكل موظف كبير ينقب في المدائن عما كان باقياً فيها من كنوز الصناعة اليونانية؛ حتى أصبحت إيطاليا على مر الأيام متحفاً للرسوم والتماثيل المشتراة أو المسروقة التي صارت النسق الذي يحتذيه الفن الرماني مدى قرن كامل. وقصارى القول أن رومة قد ابتلعها العالم المتأغرق من الناحية الفنية.
على أن هذا كله ليس إلا نصف الحقيقة. أما النصف الآخر فهو أن تاريخ الفن الروماني، كما سنرى فيما بعد، كان من ناحية نزاعاً بين العقود والعوارض المركبة على الأعمدة، ومن الناحية الأخرى نزاعاً بين الفن الواقعي الإيطالي الأصل الذي يحاول أن يسترد ما فقده لما أن غزا شبه الجزيرة الفن اليوناني الذي كان يصور الآلهة لا الناس، وبين الطراز الأفلاطوني والفكرة الأفلاطونية المجردة لا الفرد الأرضي الدنيوي الذي كان يسعى إلى تمثيل الكمال النبيل في الشكل بدل الحقيقة في الإدراك والقول. لقد أصابت الفن الروماني القوي الأصيل الذي أعان على نحت الصور على القبور التسكانية سنة من لنوم بين فتح بلاد اليونان وافتتان نيرون بفنونها؛ ولكنه في آخر الأمر حطم القالب اليوناني الصبغة وأحدث في الفن القديم انقلاباً كاملاً بما أدخله فيه من النحت الواقعي، وبفضل جمالها المستعار، العاصمة الفنية للعالم الغربي، وظلت كذلك ثمانية عشر قرناً من الزمان.
وطغى هذا الغزو على الفن الإيطالي فنبذ صفاته الأصلية، وطرازه الوطني واستسلم بأجمعه- إلا في شيء واحد- إلى الفنانين اليونان والى الموضوعات والأشكال اليونانية. وأقبل المثالون، والمصورون، والمهندسون اليونان إلى روما حيث كان الذهب يتدفق في جيوبهم، وما لبثوا أن صبغوا عاصمة فاتحي بلادهم بالصبغة اليونانية. وشرع سراة الرومان يشيدون قصورهم على الطراز الروماني حول فناء غير مسقوف، ويزينونها بالعمد، والتماثيل، والصور اليونانية، وبالأثاث اليوناني. أما الهياكل فقد تحولت على مهل حتى لا تغضب الآلهة من التحول وبقي جسم الهيكل القصير والقاعدة المرتفعة للتماثيل- وهما من مميزات الفن التسكاني- القاعدة المتبعة في بناء الهياكل ونحت التماثيل. فلما أن زاد عدد الآلهة الأولمبية، رأى الرومان أن من حق تلك الآلهة أن تبني بيوتها على الطراز الهليني الرفيع. غير أن الفن الروماني قد ظل في ناحية واحدة جوهرية يعبر بوسائله الخاصة وبقوته الفذة عن الروح الإيطالية الفنية، وإن ظل يسترشد بالفن اليوناني. أما فيما عدا هذا فقد استبدل المهندسون الرومان القوس بالعارضة الراكزة على الأعمدة في الأبنية التي خلدوا بها نصرهم أو زينوا بها دورهم، وفي القنوات التي تجر الماء لدورهم وفي أبنية محاكمهم. وعلى هذا النحو شاد كاتو من الحجارة في عام 184 الدار المعروفة باسم باسيليكا پورشيا Bacilica Portia، وبعد خمس سنين من ذلك العام شاد إيمليوس بولس باسيليكا إيمليا Bacilica Aemilia في صورتها الأولى التي أصلحها فيما بعد أبناؤه وأحفاده جيلاً بعد جيل، وجملوها أحسن تجميل . وكانت الباسيليكا الرومانية النموذجية داراً تقام لتصريف الأعمال التجارية والقضائية، وتتألف من بناء في شكل مستطيل طويل يقسمها إلى ممشى وأفنية صفان من الأعمدة الداخلية، يعلوها في العادة سقف في صورة قبة مصندقة، وهو طراز أخذ في الأصل من الإسكندرية. وإذ كان الممشى مرتفعاً عن الأفنية فقد كان من المستطاع حفر شبكة من الفتحات في الحجارة فوق كل فناء يدخل منها الضوء والهواء. ذلك بطبيعة الحال هو الشكل الأساسي للجزء الداخلي من الكنائس الكبرى في العصور الوسطى. وبهذه الصروح الضخمة شرعت روما تتخذ لنفسها مظهر القوة والفخامة الذي امتازت به في مستقبل أيامها حتى بعد أن لم تكن عاصمة العالم كله.
