
دارين عوض
ما بين رقةٍ لا تُضاهى وصلابةٍ لا تُقهر، مابين حلمٍ يرفرف وواقعٍ يرسّخ.
فراشات كثيرة نحن ، كأنها قطعةٌ من السماء، أو نسمةٌ من الفجر، بجناحين يتدفق منهما النور، تتلألأ ألوانهما بين الأزرق والبنفسجي، وكأنها تحاول أن تحاكي قوس قزح. هي رمزٌ للحرية المطلقة، للجمال الذي لا حدود له، للأمل الذي لا يموت. إنها تحلم بالطيران، بالتحليق في فضاءٍ أوسع، بلمس النجوم، وتجاوز السحب.
ولكن، ما الذي يربطها؟ ما هذا الخيط الرمادي الذي يشدها إلى الأسفل؟ خيطٌ يبدو هشًا، رقيقًا، ولكنه صلبٌ في إصراره على إبقاء الفراشة محتجزةً. إنه ليس خيطًا عاديًا، بل هو حبلٌ يربط الحلم بالواقع، الأمل باليأس، الرغبة بالعجز.
أما الطرف الآخر من الحبل، تكمن الصخرة. قطعةٌ من الأرض، رماديةٌ، ثقيلةٌ، لا تتحرك. هي رمزٌ للقيود، للأعباء، للظروف التي تمنعنا من التحليق. قد تكون هذه الصخرة هي مخاوفنا، أو ماضينا، أو مسؤولياتنا، أو حتى أحلام الآخرين التي نُجبر على حملها. إنها ثقلٌ يثقل كاهلنا، ويشدنا إلى الأرض كلما حاولنا أن نرتفع.
و ترسم مشهدًا دراميًا على سلالم مظلمة.
السلالم تمثل مسيرة الحياة، خطواتنا التي نقطعها يومًا بعد يوم. ولكن بدلًا من الصعود، نجد أن الفراشة محتجزة، تكافح من أجل خطوةٍ واحدةٍ للأمام.
هي معركةٌ لا تتوقف. معركة بين جناحين يضربان الهواء بكل قوتهما، وصخرةٍ ترفض التزحزح. معركة بين روحٍ تتوق إلى الانعتاق، وجسدٍ يرزح تحت وطأة الأثقال.
كم مرةً شعرنا بأننا تلك الفراشة؟ كم مرةً حلمنا بأن نُحلّق بعيدًا، ولكننا وجدنا أنفسنا مقيدين بـ “صخرة” معينة؟ ربما تكون تلك الصخرة هي قيود مجتمعنا، أو توقعاتنا من أنفسنا، أو حتى الخوف من الفشل.
لكن، في تلك المعركة، هناك جمالٌ فريد. جمالٌ في إصرار الفراشة على المحاولة، في صمودها رغم كل شيء. إنها لا تستسلم، لا تتوقف عن الضرب بجناحيها، حتى وإن كانت تعرف أن الصخرة لن تتحرك.
ما هي صخرتك؟ وما هو الحلم الذي لا يزال يرفرف بداخلك؟
وهل ستبقى تكافح من أجل الانعتاق، أم ستستسلم للثقل الذي يشدك إلى الأسفل؟
وأخيرا
إنها قصةٌ لكل كائنٍ حيٍّ يحمل حلمًا، ويواجه واقعًا. قصة عن الجمال الذي يرفض أن يموت، عن الأمل الذي يظل يضيء، حتى في أحلك الظروف. هي تذكرةٌ لنا بأن الحرية ليست دائمًا مجرد مسافةٍ بين نقطتين، بل هي حالةٌ من الروح، ترفض الانكسار حتى وإن كانت مقيدةً.
دارين عوض