لماذا نرى عيوبنا في الآخرين؟ سرّ حيلة الإسقاط

مريم أحمد

هل صادفت يومًا شخصًا يكذب ثم يلقي كذبه عليك، أو يسرق ثم يتهم آخرين بسرقته، أو ينسب أفعاله السلبية وغير المقبولة اجتماعيًا ونفسيًا إلى الأبرياء؟ إن مثل هذا الشخص يمارس آلية لاشعورية من ميكانيزمات العقل الباطن للهروب من القلق والصراع، وهي ما يُعرف في علم النفس بـ الإسقاط.

لقد وضع عالم النفس الشهير سيغموند فرويد تعريفًا لهذه الحيلة، عندما لاحظ أن المرضى الذين كانوا يتحدثون معه يلجؤون إلى الإنكار والإسقاط على الآخرين بدلًا من مواجهة أنفسهم. وقد عرّف الإسقاط بأنه: «حيلة يلجأ إليها الإنسان حين يلصق عيوبه أو نقائصه أو فشله بالآخرين، وهو وسيلة لإنكار وجود هذه العيوب أو الأخطاء فيه، وأن ينسب المرء إلى شخص آخر مسئولية الأفعال التي يود أن يبرأ منها.»

ثم أضافت ابنته آنا فرويد الكثير من المعلومات في كتابها «الأنا وآليات الدفاع» الصادر عام 1936. كما قدّم علماء آخرون إضافات وآراء مهمة حول هذه الحيلة مثل: كارل يونغ، ميلاني كلاين، جاك لاكان، كارين هورني، وإريك إريكسون.

وينقسم الإسقاط إلى أربعة أنواع رئيسية:

1_ الإسقاط العصبي

2_ الإسقاط التكميلي

3_ الإسقاط بالمجاملة

4_ الإسقاط المجانى 

ولكن لماذا يستخدم الإنسان الإسقاط؟

الإنسان غالبًا لا يدرك أنه يمارس الإسقاط، لأنه يحدث بشكل غير شعوري وغير مرتب. يستخدمه العقل كوسيلة للهروب من الصراعات والقلق والاضطرابات النفسية، مثل اضطراب الشخصية الحدية أو الشخصية النرجسية، وكذلك لدى الأشخاص الذين يعانون من الصراعات النفسية والاجتماعية.

وينشأ الإسقاط منذ الطفولة، حين يرى الطفل أحد والديه يستخدم هذه الحيلة فيقلّده، كما ينشأ أيضًا من عدم تقبّل الإنسان لذاته. فالشخص الذي لا يحب نفسه ولا يقبلها كما هي، يعاني دومًا من الإسقاط ويلقي اللوم على الآخرين. وهؤلاء الذين يصلون إلى هذه المرحلة من تدني الذات وكراهيتها، لا يجدون وسيلة للدفاع عن أنفسهم إلا عبر هذه الحيلة: إلقاء مشاكلهم وأخطائهم على غيرهم.

 في النهاية، إن فهمنا للإسقاط يكشف لنا أن ما نراه في الآخرين قد يكون انعكاسًا لما نخفيه نحن في أعماقنا. فحين نحمّل غيرنا ذنوبنا ونقائصنا، فإننا لا نهرب من الحقيقة، بل نؤجل مواجهتها. والوعي بهذه الآلية هو الخطوة الأولى نحو النضج النفسي وتحمّل مسئولية الذات بدلًا من اتهام الآخرين.

Related Posts

الفكر السلبي وأضراره: كيف يحجب نور النجاح

أحمد القاضى الأنصارى الفكر السلبي هو العدو الصامت الذي يهاجم الإنسان من الداخل، يحد من طاقته، ويقيده بأغلال من الخوف والشك والقلق. إنه كالسحب الكثيفة التي تمنع أشعة الشمس من…

الوظائف التنفيذية للدماغ

كتبت/ سالي جابر – أخصائية نفسية  الوظائف التنفيذية: هي مجموعة من المهارات العقلية العليا التي يستخدمها الإنسان لإدارة أفكاره، مشاعره، وسلوكه من أجل تحقيق هدف معين أو التكيّف مع مواقف…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *