د.نادي شلقامي
تُعد الأسرة في المنظور الإسلامي هي المؤسسة الأعظم والأكثر أهمية، فهي ليست مجرد تجمّع لأفراد، بل هي ميثاق غليظ ونظام اجتماعي اختاره الله لتحقيق السكن النفسي والعاطفي. إن نجاح هذه المؤسسة مرهون بمدى تفعيل مبدأ الاهتمام المتبادل بين الزوجين، الذي يمثل ترجمة عملية لمعاني المودة والرحمة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. هذا التقرير التفصيلي يتناول بعمق وجدية متناهية قضية الاهتمام الأسري، مُبيّناً أسسه الشرعية، ومُحللاً تأثيراته العميقة على الفرد والأسرة والمجتمع، ومُقدّماً استراتيجيات عملية لعلاج أي قصور أو إهمال يهدد هذا البناء المقدس.
أولا…. الأسس الشرعية للرعاية والاهتمام بين الزوجين
يحدد الإسلام واجبات وحقوق كل من الزوج والزوجة بوضوح، جاعلاً الاهتمام والرعاية المتبادلة ركناً أساسياً في العشرة الحسنة.
أ. اهتمام الزوج لزوجته (حق العشرة بالمعروف):
يُلزم الإسلام الزوج بـ “المعروف” في التعامل مع زوجته، وهذا يتجاوز الإنفاق المادي ليشمل الرعاية العاطفية والمعنوية:
1- المعاشرة بالمعروف: قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. والمعروف يشمل الكلمة الطيبة، والاعتراف بالجميل، وتخفيف الأعباء، والمدح والثناء على جهدها.
2- القدوة النبوية في الملاطفة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يمازح أهله ويشاركهم، فقد سابق السيدة عائشة رضي الله عنها، وكان يحترم رأيها ويستمع إليها. الاهتمام هنا هو إشعار الزوجة بقيمتها الإنسانية والعاطفية لديه.
3- تلبية الحاجة العاطفية: الرجل مأمور بأن يروي عطش زوجته العاطفي والنفسي، فالاهتمام هو سقاية الروح التي تمنعها من البحث عن الأمان خارج إطار الأسرة.
ب. اهتمام الزوجة لزوجها (حق السكن والتقدير):
مهمة الزوجة الأساسية هي تحقيق السكن لزوجها، وهي بيئة الراحة والطمأنينة، ويتطلب هذا:
1- التقدير والدعم: يجب على الزوجة أن تشعر زوجها بأهميته ودوره كقوام للأسرة، وأن تكون له عوناً وسنداً في مواجهة تحديات الحياة، خاصة في ضوء ضغوط العمل والمسؤوليات الخارجية.
2- حسن التبعّل: يشمل ذلك تهيئة الأجواء المريحة في المنزل، والاهتمام بالمظهر، والحفاظ على السر، والحث على الطاعة والعبادة.
3- الإنصات والمؤازرة: يجب أن تكون مستمعة جيدة لزوجها، تُشاركه همومه وأفراحه، وتُخفف عنه التعب بابتسامتها وهدوئها.
ثانيا…. التأثيرات المترتبة على الاهتمام المتبادل وقصوره
الاهتمام بين الزوجين ليس مجرد سلوك اختياري، بل هو محدد رئيسي للاستقرار النفسي والاجتماعي.
أ. التأثير الإيجابي للاهتمام المتبادل:
1- على مستوى الفرد:
1-1- الاستقرار النفسي: يشعر الفرد بالأمن والاحتواء، مما يرفع من تقديره لذاته ويحصنه ضد الأمراض النفسية كالقلق والاكتئاب.
1-2- زيادة الإنتاجية: الفرد السعيد والمُهتم به في بيته يكون أكثر قدرة على العطاء والإنجاز والتركيز في عمله وحياته العامة.
2- على مستوى الأسرة:
2-1- متانة الروابط: تترسخ المودة والرحمة عملياً، وتقل الخلافات الجوهرية، وتُصبح الأسرة بيئة دافئة ومستقرة.
2-2- تربية الأبناء: ينمو الأطفال في بيئة صحية، يتعلمون فيها لغة الاحترام والمشاعر الإيجابية، فيكونون أسوياء نفسياً، قادرين على تكوين علاقات صحية مستقبلاً.
3- على مستوى المجتمع:
3-1- تقليل نسب الطلاق: يساهم الاهتمام في حل المشكلات قبل تفاقمها، مما يحافظ على نسيج المجتمع من التفكك.
3-2- بناء جيل صالح: الأسر المستقرة تُنتج أفراداً فاعلين ومنتجين، لا يعانون من العقد النفسية، مما يعزز قوة المجتمع وتماسكه.
ثالثا….. التأثير السلبي لقصور الاهتمام (الإهمال العاطفي):
1- على مستوى الفرد:
1-1- الشعور بالوحدة والعزلة: يصبح الفرد منعزلاً رغم وجود الشريك، وقد يدخل في دوامة الإحباط والاكتئاب.
1-2- البحث عن البديل: قد يدفع الإهمال أحد الطرفين إلى البحث عن الاهتمام خارج إطار الزواج، مما قد يؤدي إلى الخيانة أو الانحراف، وهو خطر عظيم حذرت منه الشريعة.
2- على مستوى الأسرة:
2-1- الفتور والتوتر: يصبح المنزل بيئة مشحونة بالتوتر والصمت، ويغلب الحديث السطحي عن الأمور المادية فقط.
2-2- تشتت الأبناء: يقع الأبناء ضحية لهذا الإهمال، فيظهر عليهم التوتر والسلوكيات العدوانية أو الانطواء، وقد يتأثر تحصيلهم الدراسي وسلوكهم الاجتماعي.
3- على مستوى المجتمع:
3-1- زيادة الجريمة والانحلال: تفكك الأسر يُغذي المشكلات الاجتماعية والانحراف الأخلاقي، ويُضعف منظومة القيم العامة في المجتمع.
رابعا….. استراتيجيات علاج قصور الاهتمام وإحياء المودة
يتطلب علاج الإهمال تضافر الجهود والالتزام بخطوات عملية ومستمرة، انطلاقاً من المبادئ الإسلامية.
1. الإخلاص وتصحيح النية:
1-1- الاهتمام كعبادة: يجب أن يستحضر الزوج والزوجة أن اهتمام كل منهما بالآخر هو قربة وطاعة لله، ليزداد الأجر وتستمر الرغبة في العطاء.
1-2- الوعي بأهمية السكن: إدراك أن العلاقة ليست حقاً مادياً فقط، بل هي مسؤولية روحية وعاطفية مشتركة.
2. إتقان فن التواصل الفعّال:
2-1- تخصيص وقت الجودة: الاتفاق على وقت يومي أو أسبوعي خاص للحديث الجاد والصريح دون مقاطعات أو تشتيت (مثل الهواتف والأجهزة).
2-2-الاستماع بالقلب لا بالأذن فقط: الإنصات الفعلي لما يقوله الشريك، ومحاولة فهم مشاعره الكامنة وراء كلماته (وهو ما يُعرف بالتعاطف).
2-3- التعبير الواضح عن الاحتياجات: يجب أن يُعلم كل طرف الآخر بـ “لغة الحب” التي يفهمها ويحتاجها (كأن يحتاج أحدهما إلى كلمات التشجيع والآخر إلى المساعدة العملية).
3. المبادرة والتقدير المتبادل:
3-1- ممارسة “المعروف” النبوي: على الزوج أن يتذكر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في حق زوجته. وعلى الزوجة أن تتذكر أهمية ترحيبها وحسن تبعلها لزوجها.
3-2- تقديم الاهتمام بطريقة الطرف الآخر: يجب أن يُقدّم الاهتمام بالطريقة التي يحتاجها ويقدرها الشريك، لا بالطريقة التي يراها المُقدّم مناسبة له هو (الرجل قد يرى الاهتمام في التقدير الصامت، بينما ترى المرأة الاهتمام في الكلمة الحانية).
3-3- تجديد العلاقة: كسر الروتين بالهدايا الصغيرة غير المتوقعة، أو الخروج في نزهات خاصة، أو إحياء ذكرى جميلة.
4. اللجوء إلى الحكم الشرعي والاستعانة بالمختصين:
4-1- تحكيم شرع الله عند النزاع: تذكر قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35].
4-2-الاستعانة بالمصلحين: إذا استعصت المشكلة، يجب اللجوء إلى أهل الخبرة من المستشارين الأسريين أو العلماء الموثوقين لمعالجة قصور الاهتمام قبل أن يتحول إلى جدار عازل.
إن الاهتمام الأسري هو الروح الحقيقية للعلاقة الزوجية، وهو ميزان قوامها ودوامها. لقد وضع الإسلام الأُسس لأسرة تقوم على الحب المُعاش والرحمة المُتبادلة، واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم خير الناس من كان خيراً لأهله. إن التزام الزوجين بتبادل الرعاية والتقدير، وتطبيق وصايا الدين في حياتهما، هو الاستثمار الحقيقي الذي يعود نفعه على الفرد بالطمأنينة، وعلى الأسرة بالتماسك، وعلى المجتمع بالصلاح والقوة. فلتكن بيوتنا واحات سكن حقيقية، تُبنى حوائطها بالاهتمام، ويُضاء سقفها بالمودة.
