بقلم: د.نادي شلقامي
الميثادون، بطل معركة الإدمان السري، هو عقار أفيوني اصطناعي يُستخدم لإنقاذ المدمنين من الهيروين والمواد المماثلة. رغم فعاليته في كبح أعراض الانسحاب والرغبة الشديدة، يثير الميثادون جدلاً واسعاً: هل هو فعلاً علاج أم مجرد استبدال لإدمان بآخر؟ هذا التحقيق يكشف عن التناقضات الحادة لهذا الدواء؛ من كونه طوق نجاة، إلى كونه قنبلة موقوتة تهدد القلب والجهاز التنفسي، خاصة عند التفاعل مع أدوية شائعة أخرى.
ما هو الميثادون؟
التركيب والنوع: هو مركب كيميائي مصنّع (صيغته الكيميائية C_{21}H_{27}NO) ينتمي إلى عائلة المواد الأفيونية القوية (المخدرة). يُعرف أيضاً بالأسماء التجارية دولوفين و ميثادوز وغيرها.
آلية العمل: يعمل كـناهض كامل لمستقبلات الأفيون، وخاصة مستقبلات \mu (ميو) الأفيونية (\mu-opioid receptors – MOR) في الدماغ والجهاز العصبي. هذا الارتباط يسبب تأثيرات مسكنة، ويقلل من أعراض الانسحاب والرغبة الشديدة في تعاطي الأفيونيات الأخرى.
أولا…الميثادون: “قشة الإنقاذ”
مسكن الألم الأفيوني الذي تحوّل إلى قشة الإنقاذ (أو شبكة الإدمان الجديدة)
أ. الجوهر: ما هو الميثادون ولماذا هو فريد؟
1. التصنيف المزدوج: الميثادون هو مادة أفيونية اصطناعية قوية، مما يعني أنه ينتمي إلى نفس عائلة المورفين والهيروين، لكنه يُصنّع في المختبر. شهرته تأتي من استخدامه المزدوج:
أ- مسكن ألم شديد: يُستخدم للألم المزمن الذي لا تستجيب له المسكنات الأخرى.
ب- علاج اضطراب استخدام المواد الأفيونية (OUD): وهو الاستخدام الذي يثير الجدل الأكبر.
2. السلاح السري: نصف العمر الطويل جدًا:
هذا هو مفتاح قوة الميثادون وخطورته. يبلغ نصف عمره (المدة اللازمة لتخلص الجسم من نصف الجرعة) ما بين 8 إلى 59 ساعة.
أ-في علاج الإدمان: يتيح هذا النصف الطويل إعطاءه مرة واحدة يوميًا، ويحافظ على مستوى ثابت في الدم. هذا يمنع أعراض الانسحاب القاسية والرغبة الشديدة (Craving)، لكنه لا يسبب النشوة السريعة والقوية للمخدرات الأخرى، مما يسمح للمدمن بالاستقرار والعودة للحياة الطبيعية.
ب- في الجرعات الزائدة: يجعله خطيراً جداً؛ فالشخص قد يأخذ جرعة اليوم، ثم يشعر أن مفعولها “لم يبدأ” فيأخذ المزيد. لكن الجرعة الأصلية تظل تتراكم في الجسم ببطء، مما قد يؤدي إلى تثبيط تنفسي مميت بعد يومين أو ثلاثة من بدء العلاج أو زيادة الجرعة.
ثانيا… قنبلة الميثادون الموقوتة: مخاطر لا تُرى:
1. الموت المفاجئ بسبب القلب:
الميثادون له تأثير خطير على نظم القلب؛ فهو يسبب إطالة في فترة QT في تخطيط القلب. هذا الخطر يهدد المرضى بالإصابة باضطراب نظم قلبي خطير يُسمى (Torsades de Pointes) يمكن أن يؤدي إلى توقف القلب المفاجئ. هذا يتطلب من الأطباء إجراء تخطيط قلب (ECG) بشكل دوري للمرضى الذين يتناولون جرعات عالية.
2. التفاعلات القاتلة مع الأدوية الشائعة:
الميثادون يُستقلَب في الكبد بإنزيمات محددة (P450). التداخل مع الأدوية الأخرى هو السبب الرئيسي لحوادث الجرعة الزائدة غير المتعمدة:
أ- مع المهدئات (البنزوديازيبينات مثل زاناكس وفاليوم): هذا المزيج هو الأكثر فتكاً. كلاهما يثبط الجهاز العصبي المركزي، وعند دمجهما يحدث توقف فوري وشديد للتنفس.
ب- مع بعض المضادات الحيوية أو مضادات الاكتئاب: يمكن أن تمنع هذه الأدوية الجسم من تكسير الميثادون، مما يؤدي إلى ارتفاع تركيزه في الدم بشكل مفاجئ وتسمم.
3. إدمان مقابل إدمان (الجدل الأخلاقي):
النقد الأساسي الموجه لبرامج الميثادون هو: هل نحن فقط نستبدل إدمان الهيروين بإدمان الميثادون؟
أ- المؤيدون: يقولون إن الميثادون “يُحيّد” الإدمان؛ فهو يُتلقى قانونياً وبجرعة مضبوطة، مما يحرر المريض من الجريمة والخطر الصحي المرتبط بالهيروين غير النقي، ويسمح له بالعمل وتربية أبنائه.
ب- المعارضون: يرون أن المريض يظل “عبداً” للعقار، وأن إيقافه أصعب بكثير، حيث تستمر أعراض انسحابه لأسابيع أو حتى أشهر.
ج. الجانب التنظيمي (لماذا الرقابة؟)
1- الصرف المقيد: الميثادون ليس دواءً يُصرف في صيدلية عادية بسهولة. في برامج علاج الإدمان، يجب على المرضى الحضور يومياً إلى العيادة لتلقي الجرعة تحت إشراف طاقم طبي لمنع البيع في السوق السوداء.
2- التهريب وسوء الاستخدام: يُباع الميثادون المسرب من العيادات أو الموصوف للألم في السوق السوداء كبديل رخيص وقوي للهيروين، مما يفاقم أزمة الأفيونيات.
يظل الميثادون سيفاً ذا حدين: فهو ينقذ الحياة من إدمان الشارع الفوضوي، لكنه يُبقي المريض أسيراً للإدمان المنظم. إن مخاطره القلبية وتفاعلاته القاتلة تتطلب يقظة طبية قصوى. السؤال النهائي الذي يواجهنا يبقى: هل يقبل المجتمع بعلاجٍ يبقي المريض معتمداً على الأفيونات مدى الحياة، أم يجب البحث عن طريق ثالث للتحرر الكامل؟ التحدي يكمن في تحويل الميثادون من مجرد وسيلة سيطرة، إلى جسر حقيقي للتعافي المستدام.
