كتبت/نجده محمد رضا
مأساة إنسانية تتجدد منذ عقود وتبحث عن عدالة غائبةتُعد قضية لاجئي الروهينغا واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر، إذ تتشابك فيها السياسة بالدين والقومية، ويختلط التاريخ بالألم اليومي لمئات الآلاف من البشر الذين يبحثون عن مأوى آمن بعد عقود طويلة من الاضطهاد في ميانمار.
من هم الروهينغا؟
الروهينغا أقلية مسلمة تعيش في ولاية راخين غرب ميانمار. يُقدَّر عددهم قبل موجات النزوح الأخيرة بنحو مليون نسمة.
وعلى الرغم من جذورهم التاريخية العميقة في المنطقة، فإن الحكومة الميانمارية لا تعترف بهم كمواطنين وتعتبرهم “مهاجرين غير شرعيين”، وهو ما حرمهم من حقوق التعليم والملكية والتنقل، بل وفتح الباب أمام سلسلة طويلة من الانتهاكات.
جذور الأزمة… تاريخٌ من الحرمان
تعود بدايات النزاع إلى عقود سابقة، لكنّ نقطة التحول كانت عام 1982 حين أصدرت الحكومة قانونًا للجنسية استبعد الروهينغا من القوميات المعترف بها ومنذ ذلك الحين نشأت سياسة منهجية للتضييق عليهم، شملت الاعتقالات العشوائية وتقييد عدد المواليد، ومنع الزواج دون تصريح، فضلًا عن منعهم من ممارسة طقوسهم الدينية بحرية.
تحولات 2017… حين انطفأت القرى في ليلة واحدة
بلغت المأساة ذروتها في أغسطس 2017، حين شنت القوات الميانمارية حملة عسكرية وصفتها الأمم المتحدة بأنها “تطهير عِرقي”.
شهدت تلك الحملة
إحراق مئات القرى بالكامل
قتل الآلاف من المدنيين
اغتصاب النساء على نطاق واسع
هروب أكثر من 750 ألف شخص إلى بنغلاديش هذه الموجة مثلت أكبر عمليات نزوح جماعي في التاريخ الحديث لمنطقة جنوب شرق آسيا.
حياة المخيمات… بقاءٌ لا حياة
أقامت بنغلاديش مخيمات ضخمة في منطقة “كوكس بازار”، التي أصبحت اليوم موطنًا لأكبر تجمع للاجئين في العالم.
وتعكس الحياة داخل هذه المخيمات معاناة لا تنتهي
اكتظاظ سكاني يفوق القدرة الاستيعابية
نقص حاد في المياه والغذاء والدواء
انتشار الأمراض المعدية
توقف مسارات التعليم لآلاف الأطفال
مخاطر دائمة من الفيضانات والحرائق
وتبقى المخيمات رغم صعوبتها الملاذ الوحيد أمام الروهينغا الذين لا يمكنهم العودة إلى ميانمار خوفًا من القتل أو الاعتقال.
مواقف المجتمع الدولي
على مدى السنوات الماضية، صدرت عشرات التقارير الدولية التي تؤكد وقوع جرائم ضد الإنسانية بحق الروهينغا.
ومع ذلك ما يزال الموقف الدولي يتسم بالبطء، مقابل رفض ميانمار الاعتراف بأي مسؤولية.
في عام 2019، رفعت غامبيا دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها ميانمار بارتكاب إبادة جماعية، وما تزال القضية قيد النظر حتى اليوم.
الأطفال… الضحية الأكبر
يُشكّل الأطفال أكثر من نصف تعداد اللاجئين، وهم الأكثر تضررًا
آلاف وُلدوا في المخيمات ولا يعرفون وطنًا سوى الخيام
انتشار عمالة الأطفال بسبب الفقر
جيلٌ بلا تعليم منتظم
حالات نفسية معقدة نتيجة التعرض للعنف والتهجير
إنها مأساة تنذر بضياع جيل كامل ما لم يتحرك المجتمع الدولي بسرعة لإنقاذه.
آفاق الحل… طريقٌ طويل
لا تزال أزمة الروهينغا بلا حل واضح، إذ يشترط اللاجئون ضمانات دولية قبل العودة، بينما ترفض ميانمار الاعتراف بحقوقهم الأساسية.
ويرى مراقبون أن الحل يكمن في
ضغط دولي أكبر على ميانمار لوقف الانتهاكات إعادة الجنسية للروهينغا كشرط أساسي لأي تسوية.
تحسين أوضاع المخيمات في بنغلاديش عبر دعم مالي عاجل.
إطلاق برامج تعليمية ونفسية لأطفال المخيمات.
تبقى مأساة الروهينغا شاهدًا على عجز العالم أمام قضية إنسانية تتجدد كل يوم إنها قصة شعب تُرك وحيدًا في مواجهة الاضطهاد، ورحلة هروب لا تنتهي بحثًا عن كرامةٍ إنسانية بسيطة.
وحتى يجد هؤلاء ملاذًا آمنًا واعترافًا بحقوقهم، ستظل صرختهم تطرق أبواب الضمير العالمي.
