بقلم أحمد رشدي
في عالمٍ يتغيّر أسرع مما نستوعب، تقف البشرية اليوم أمام سؤال مصيري يذكّرنا بظلال القرن العشرين: هل نشهد ولادة نسخة جديدة من الفاشية، لكن هذه المرة بملابس رقمية أنيقة وبلا خطابات صاخبة أو جيوش في الشوارع؟
هذا هو السؤال الذي يطرحه الباحث الأميركي غاري ماركوس في كتابه الأخير «ترويض وادي السيليكون»، الصادر أواخر عام 2024، محذّراً من «الانجراف المحسوب» نحو شكل جديد من السلطة يمارس هيمنته من خلف الشاشات، لا من فوق المنابر.
ويوضح ماركوس في كتابه ،
منذ صعود موسوليني إلى الحكم عام 1922، ظنّ الأوروبيون أنهم شهدوا أقصى ما يمكن أن يقدّمه الاستبداد من بطش وتنميط وإلغاء للفرد.غير أن ما يحدث اليوم كما يؤكد ماركوس أكثر نعومة، لكنه لا يقل خطورة. فالسيطرة لم تعد تحتاج إلى شرطيٍّ متحفّز أو جهاز دعاية صريح؛ بل إلى خوارزمية بارعة تعرفك أكثر مما تعرف نفسك، وترسم لك مساراً حياتياً محكماً من خلال سيلٍ هائل من البيانات التي تجمعها عنك.
كانت شركات التكنولوجيا الكبرى، قبل عقدين فقط، تَعِد بعالمٍ مفتوح تُتاح فيه المعرفة للجميع، في فضاء يقترب من «مشاعية معرفية» تتجاوز الحدود. لكن الواقع انقلب على هذا الوعد؛ فالشركات ذاتها – «غوغل»،و«ميتا»، و«مايكروسوفت»، و«أوبن إيه آي»، باتت تتحكم في صناعة المعرفة وتداولها، وفي تحديد ما يظهر للناس وما يُدفن في الظلال.
إنها لم تعد تُقدّم المعلومات فحسب؛ بل تَصنعُ الإطار الذي نرى من خلاله العالم، وتوجّه وعينا، وتعيد تشكيل خرائط الحقيقة.
يذهب ماركوس إلى تسمية هذا التحوّل بـ«الفاشية التقنية».
ويشرح أن الفاشية الجديدة لا تأتي من بوابة الشعارات، بل من بوابة «التخصيص» و«الاقتراحات» و«تحسين التجربة». فالخوارزمية لا تُصدر أمراً، لكنها تدفعك، بذكاء استثنائي، إلى اختيار ما تريده هي، لا ما تريده أنت. إنها سلطة مستترة خلف واجهات سلسة وأيقونات ملوّنة، تظهر بمظهر الخدمة المجانية بينما تعمل كجهاز ضبطٍ للسلوك الجماعي.
ويرى ماركوس أن ما يسميه «اختطاف المستقبل» هو أخطر ما يواجهه العالم اليوم؛ فالنخبة الرقمية التي تمتلك البنية التحتية للإنترنت والذكاء الاصطناعي باتت تسيطر فعلياً على مستقبل اللغة والمعرفة والعمل. إنهم «الكهنة الجدد»، كما يصفهم، الذين يمتلكون أسرار الكود ويقررون شكل الذكاء الاصطناعي وقيوده، ويحددون وحدهم بلا مساءلة ما ينبغي للعالم أن يتبناه أو يتجاهله.
وفي تشبيه لافت، يصف الباحث «وادي السيليكون» بأنه «الفاتيكان الجديد للتقنية»، يملك العقيدة (الذكاء الاصطناعي)، والطقوس (الكود)، والجمهور المؤمن (المستخدمون)، والقدّيسين الجدد (روّاد الأعمال). لكنه فاتيكان بلا ضوابط ولا مرجعيات أخلاقية، سلطة مقدّسة بلا حارس، وبلا قَدَرٍ واضح لتبعات قوتها.أبرز مخاطر هذا الواقع ،
كما يورد ماركوس تكمن في تحويل الإنسان ذاته إلى مادة قابلة للمعالجة.
فالوعي يُختزَل إلى نمط، والعاطفة إلى معادلة، والعلاقات إلى إشعارات.
وعندما تصبح الخوارزميات قادرة على تحديد من يُوظَّف، ومن يُستبعَد، ومن يُراقَب،
فإننا نكون قد دخلنا فعلاً عهداً جديداً من «الحكم التقني» الذي قد ينزلق بسلاسة إلى «فاشية رقمية» متخفّية.
إنها فاشية لا تحتاج إلى القمع؛
بل إلى الإدمان.
لا تمنعك من الكلام؛
بل تغرقك في ضجيج لا ينتهي.
لا تطلب منك الولاء؛
بل تصنعه نيابةً عنك عبر الهاتف شاشة لا تطفأ.
ومع ذلك كما يؤكد ماركوس لم تنتهِ المعركة بعد. فالفاشية التقنية لم تنتصر، بل بدأت فقط. والوعي بخطرها هو الخطوة الأولى لحماية إنسانية الإنسان قبل أن تتحوّل مشاعرنا ونزواتنا وخياراتنا إلى مجرد بيانات تُساق إلى غرف الخوارزميات.
إنها دعوة للتفكير قبل أن نمنح المستقبل كله لآلة قد تكتب يوماً ميثاق الإنسانية من جديد… دون أن
تستشير الإنسان نفسه.
