د. إيمان بشير ابوكبدة
أظهرت دراسة علمية حديثة أن فقدان الرؤية خلال الأشهر الأولى من الحياة لا يؤدي إلى محو قدرة الدماغ على التعرف على الوجوه والأشياء والكلمات، على الرغم من تأثيره الواضح في معالجة التفاصيل البصرية الدقيقة. وتفتح هذه النتائج باباً جديداً أمام تطوير علاجات أكثر تخصيصاً للأطفال الذين يولدون بإعتام خلقي.
نشرت الدراسة في دورية Nature Communications، وأوضحت أن الأطفال الذين يولدون بإعتام خلقي كثيف في كلتا العينين يفقدون إدراكهم البصري تماماً في بداية حياتهم، ما يترك بصمة طويلة الأمد على تطور الدماغ. لكن المفاجأة، كما يكشف الباحثون، هي أن المناطق المتقدمة في الدماغ المسؤولة عن التعرف على الوجوه والأشياء والكلمات تستعيد وظائفها بدرجة شبه طبيعية بعد إجراء الجراحة، حتى بعد سنوات من الحرمان البصري المبكر.
في المقابل، تؤكد النتائج أن المناطق الدماغية المعنية بالتفاصيل الدقيقة — مثل الخطوط الرفيعة والفروق الطفيفة في التباين — تبقى محدودة الكفاءة، ما يشير إلى أن تأثير العمى المبكر على هذه المناطق قد يكون دائماً أو طويل الأمد.
واستخدم فريق البحث تقنيات تصوير الدماغ لمقارنة البالغين الذين خضعوا لجراحة إزالة الإعتام في طفولتهم بأشخاص ذوي بصر طبيعي. كما لجأ الفريق إلى محاكاة تعتمد على شبكات عصبية اصطناعية أكدّت صحة الملاحظات البشرية، وعززت فهم العلماء لكيفية تعامل الدماغ مع التعلم البصري بعد فترة من الحرمان.
ويشير الباحثون إلى أن الدماغ يتعامل مع العمى المبكر عبر “أثر مزدوج”: فبينما تتأثر بعض المناطق بشكل دائم، تظهر مناطق أخرى مرونة عالية وقدرة على التعافي وإعادة التكيف. وهذا الفهم الجديد يمهّد لتطوير خطط علاجية واستراتيجيات تأهيل مخصصة لكل طفل وفقاً لحالته.
وتعتبر هذه النتائج تحدياً للمفهوم التقليدي حول “الفترة الحرجة” في تطور الرؤية؛ إذ تشير الدراسة إلى وجود مسارات متعددة في نمو الدماغ تختلف فيها مستويات المرونة، وليست فترة واحدة حاسمة كما كان يُعتقد. فبعض المناطق أكثر حساسية للحرمان البصري المبكر، بينما تستطيع مناطق أخرى التعافي حتى بعد مرور وقت طويل.
ويؤكد أوليفييه كوليجنون، المؤلف الرئيسي للدراسة وأستاذ علوم الأعصاب في جامعة لوفان الكاثوليكية البلجيكية، أن الدماغ قادر على التعلم وإعادة بناء مهاراته البصرية حتى عندما تكون خبراته الأولى ضعيفة أو منعدمة، مشيراً إلى أن التجارب المبكرة تؤثر على التطور العصبي، لكنها لا تحسم مستقبله بشكل نهائي.
وتُظهر البيانات أن الأطفال الذين خضعوا للجراحة بعد أشهر من الولادة تمكنوا لاحقاً من تطوير إدراك بصري متقدم، سمح لهم بتمييز الوجوه والأشياء والقراءة، رغم غياب الخبرة البصرية خلال المرحلة التي كان يُعتقد أنها حاسمة لبناء أساسات الرؤية.
وتفتح هذه النتائج آفاقاً جديدة أمام الأطباء لإعداد برامج علاجية تستهدف المناطق الدماغية الأكثر تأثراً، بهدف تعزيز قدرتها على التعافي أو تعويض ضعفها، بدلاً من الاعتماد على طرق تأهيل عامة لا تراعي الفروق الفردية بين المرضى.
