بقلم: أحمد رشدي
في كتاب يفيض بالدفء والدهشة صدرت سيرته الذاتية عن «دار الشروق» تحت عنوان «هي دي الحياة كما حكى خيري بشارة لشيماء سليم». وبين صفحاته يتجلى المخرج الكبير خيري بشارة، أحد أبرز صناع السينما المصرية الحديثة، راوياً فصول حياته بصدق نادر، وحنين شفيف، وجرأة لا تنشغل بتجميل الوقائع بقدر ما تهدف إلى استعادتها كما كانت.
وُلد بشارة في 30 يونيو 1947، وقضى طفولته الأولى في إحدى قرى كفر الشيخ،
حيث عاش في بيت ذي طراز بريطاني أنيق، بين أسرة ميسورة الحال.
لم يعرف التعقيد في سنواته الأولى، لكنه حمل منذ تلك المرحلة بذرة انحيازاته الفكرية.
حادثة طفولية وقعت عند قيام ثورة 1952، حين رأى أباه يضرب أحد الفلاحين، كانت لحظة مفصلية زرعت في داخله تعاطفاً مبكراً مع المقهورين، وجعلته يميل إلى الفكر الثوري الحالم طوال حياته.
ورغم ثقافته السينمائية الواسعة،
رُفض في البداية عند تقدمه لمعهد السينما مطلع الستينيات، لكنه عاد والتحق بالدفعة التالية بقرار استثنائي. لم يكن تخلص بعد من حلم التمثيل، فشارك في عروض مسرحية على «مسرح الحكيم» إلى جانب زملاء أصبحوا لاحقاً من كبار نجوم الفن، وعلى رأسهم نور الشريف، بينما ترك فيه الشاعر والمخرج نجيب سرور أثراً إنسانياً خفياً ظل يلازمه سنوات.
ويتوقف بشارة مطولاً عند اثنين من أعمدة الإخراج في مصر: يوسف شاهين وصلاح أبو سيف. وبينما يصف شاهين بالأستاذ الحقيقي الذي يكسر الحواجز، ويهب طلابه كل ما يعرفه دون تردد، يرى في أبو سيف نموذجاً مغايراً، صامتاً في تدريسه، مكتفياً بالإنصات إلى تجارب الطلاب دون أن يمنحهم ما يغني خبراتهم أو يوسع آفاقهم.
أما المحطة الأكثر تحولاً فكانت دراسته في بولندا، حيث تحرر من حياته المنغلقة، وعرف معنى التجربة الإنسانية الكاملة. هناك، كما يقول، «خرج من قوقعته»، وعرف الحب، وبدأ رحلته الحقيقية مع الإبداع. وعندما عاد إلى مصر، انشغل في أفلامه التسجيلية بالناس العاديين لا بالمنجزات الكبرى، فقدم «صائد الدبابات» برؤية إنسانية لا تمجّد البطولة الفردية بقدر ما تكشف قيمة الإنسان وسط صرخات الحرب.
وفي سينماه الروائية، تجلّت رؤيته بوضوح في فيلم «العوامة رقم 70» (1982)، الذي اعتبره النقاد بداية مغايرة لأسلوب التمثيل والحركة في السينما المصرية، حيث حرص على أن ينبع الأداء من الواقع لا من القوالب التقليدية، مستلهماً روح تشيكوف في بناء المشهد ورسم التفاصيل.
هكذا يعيد خيري بشارة في مذكراته رسم خريطة حياة مبدع خرج من قرية هادئة إلى أن أصبح واحداً من أهم صُنّاع السينما العربية، محتفظاً حتى اليوم بروح الطفل الثائر الذي يرى العالم بعين حرة، وقلب عاشق،
وخيال لا يشيخ.
