بقلم د.نادي شلقامي
في عالمٍ تتلألأ فيه الأحجار الكريمة وتتراقص المعادن الثمينة بين أيدي الفنانين، يبرز اسم بيتر كارل فابرجيه كرمزٍ للإتقان، الفخامة، والإبداع الذي لا يُضاهى. لم يكن فابرجيه مجرد صائغ مجوهرات، بل كان فناناً حقيقياً، تحولت ورشته في سانت بطرسبرغ إلى حاضنة لأندر وأجمل التحف التي زينت بلاط القياصرة الروس. من خلال لمساته الساحرة، وُلدت قطع فنية تجاوزت قيمتها المادية لتصبح أيقونات ثقافية وتاريخية، وعلى رأسها “بيض فابرجيه” الأسطوري الذي يجسد قصة عصرٍ ذهبي من الرفاهية والجمال الروسي. هذا التقرير سيسلط الضوء على مسيرة هذا العبقري، منذ نشأته وصولاً إلى إرثه الخالد الذي لا يزال يُبهر العالم حتى يومنا هذا.
أالفنان الروسي بيتر كارل فابرجيه (Peter Carl Fabergé)
1- النشأة والتعليم (1846 – 1866)
1-1- الميلاد:
وُلد بيتر كارل فابرجيه في 30 مايو 1846 في سانت بطرسبرغ، روسيا.
1-2- الأصول العائلية:
تعود أصول عائلة فابرجيه (فافري سابقاً) إلى الهوغونوت (البروتستانت الفرنسيين) الذين فروا من فرنسا عام 1685 واستقروا في روسيا.
1-3- التدريب المبكر:
تدرب في البداية على يد والده، غوستاف فابرجيه، الذي أسس دار فابرجيه للمجوهرات عام 1842.
1-4- الجولة الكبرى والدراسة:
في عام 1860، تقاعد والده وانتقل إلى دريسدن. تلقى بيتر كارل تعليمه في مدرسة دريسدن للفنون والحرف، وتأثر بشدة بكنوز “القبو الأخضر” (Grünes Gewölbe) الشهير. قام بجولة كبرى واسعة في أوروبا عام 1864، حيث درس في باريس (كلية شلوس التجارية) وتلقى دروساً متخصصة من صائغي ذهب محترمين في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، مما صقل رؤيته الفنية ومهاراته الحرفية.
1-5- العودة إلى سانت بطرسبرغ: عاد إلى سانت بطرسبرغ عام 1866.
2- تولي إدارة دار فابرجيه وبداية الشهرة (1882 – 1885)
2-1- إدارة الشركة:
في عام 1882، تولى بيتر كارل فابرجيه إدارة عمل والده للمجوهرات بالتعاون مع شقيقه أغاثون. قام بتحويل العمل العادي إلى ظاهرة دولية مشهورة.
2-2- التميز والإبداع:
على عكس صانعي المجوهرات التقليديين، ركز فابرجيه على الحرفية المذهلة والتفاني المطلق في الكمال، باستخدام المعادن الثمينة والأحجار الكريمة مع تركيز على التصميم الفني بدلاً من مجرد قيمة المواد الخام.
3- صائغ البلاط الإمبراطوري وبيض الفصح الإمبراطوري
3-1- صائغ البلاط (1884):
عُين القيصر ألكسندر الثالث بيتر كارل فابرجيه “صائغاً للبلاط الإمبراطوري” عام 1884.
3-2- بيضة الفصح الأولى (1885):
كلفه القيصر ألكسندر الثالث بإعداد بيضة فصح لتقديمها هدية لزوجته، الإمبراطورة ماريا فيودوروفنا. كانت هذه هي بيضة الدجاجة (The Hen Egg)، وهي مصنوعة من الذهب الأبيض المينا، وعند فتحها تظهر مفاجأة على شكل بيضة ذهبية أصغر، وبداخلها دجاجة ذهبية صغيرة تحتوي على تاج إمبراطوري مصغر وحجر روبي.
3-3- الحرية الكاملة في التصميم:
منذ عام 1887، مُنح فابرجيه حرية كاملة في تصميم بيض الفصح الإمبراطوري، شريطة أن تحتوي البيضة على مفاجأة فريدة.
3-4- استمرار التقليد:
استمر التقليد مع القيصر نيقولا الثاني، الذي كان يطلب بيضتين سنوياً: واحدة لوالدته الإمبراطورة ماريا فيودوروفنا، والأخرى لزوجته الإمبراطورة ألكسندرا فيودوروفنا.
3-5- العدد الإجمالي:
صنع فابرجيه ما مجموعه 50 بيضة فصح إمبراطورية لصالح عائلة رومانوف.
4. التوسع والنجاح الدولي
4-1- فروع الشركة: أصبحت شركة “House of Fabergé” كبرى شركات المجوهرات في روسيا، وكان لها فروع في:
4-2- سانت بطرسبرغ (المقر الرئيسي)
— موسكو
— أوديسا
— كييف
— لندن
4-3- المعرض العالمي 1900:
مَثلت تصميماته روسيا في المعرض العالمي لعام 1900 في باريس، وحقق نجاحاً تجارياً وفنياً هائلاً.
4-4- الأوسمة والتكريم: مُنح فابرجيه وسام جوقة الشرف الفرنسي برتبة فارس ثم قائد، بالإضافة إلى وسام الاستحقاق المدني الروسي.
4-5- الإنتاج الفني:
بلغ عدد تصميمات الشركة ما بين 150 ألفاً إلى 200 ألف تصميم في الفترة ما بين 1882 حتى عام 1917، ولم يقتصر عمله على البيض بل شمل أيضاً المجوهرات الدقيقة، وأدوات المائدة، والأشياء الزخرفية، ومنحوتات الحيوانات من الأحجار الصلبة.
5. النهاية المأساوية والمنفى (1917 – 1920)
5-1- الثورة البلشفية:
بعد قيام الثورة البلشفية عام 1917، استولت الحكومة السوفييتية على مؤسسة فابرجيه.
5-2- المنفى والوفاة:
تحول فابرجيه إلى طريد، ولاذ بالفرار إلى سويسرا. توفي هناك في 24 سبتمبر 1920.
6. إرث فابرجيه
6-1- البيضات:
تُعد “بيضات فابرجيه” قمة الإبداع في فن الصياغة، وتمثل “أغنية البجعة” لحضارة رومانوف الزائلة، وهي تحف فنية خالدة تُعرض في متاحف عالمية مثل متحف الكرملين.
6-2- الأسلوب:
يتميز أسلوبه بـ الحس الفني الفرنسي مع روح روسية عميقة وشاعرية، ويستحضر رؤية لـ “عصر بيل إيبوك” (Belle Époque) ورفاهيته الباذخة.
6-3- تطور الشركة:
ظلت عائلة فابرجيه تعيش على الاسم اللامع، وشهدت الشركة لاحقاً محاولات لإعادة إحياء أمجاد الماضي وتصنيع البيضات بما يواكب العصر الحديث.
وهكذا، يظل بيتر كارل فابرجيه ليس مجرد اسم في تاريخ المجوهرات، بل أسطورة حية تجسد قمة الإبداع والفخامة. فنانٌ حوّل المعادن والأحجار إلى حكايات، ونقش بتفاصيله الدقيقة فصولاً من تاريخ الإمبراطورية الروسية قبل أفول نجمها. فمن خلال “بيضاته” المبهرة وغيرها من تحفه الفريدة، ترك فابرجيه بصمة خالدة تتجاوز حدود الزمن والجغرافيا، لتصبح أعماله شهادة على عبقرية فنية لا تزال تُلهِم وتُبهِر الأجيال، وتُذكّرنا بأن الجمال الحقيقي يكمن في الشغف، الدقة، والقدرة على تحويل المادة الخام إلى روح تنبض بالحياة والفن.
