بقلم : د.نادي شلقامي
قال -تعالى-: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).سورة البقرة (274)
تُعدّ الصدقة والإنفاق في سبيل الخير من أعظم العبادات في الديانات السماوية، حيث لا يقتصر أثرها على المنفعة الاجتماعية فحسب، بل يمتد ليلامس أعماق النفس البشرية. لقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأثر الروحي العظيم في وصف حال المنفقين: “لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”. هذا التقرير يستعرض كيف ترجم العلم الحديث والطب النفسي هذا الوصف الروحي إلى آليات بيولوجية ملموسة، مُفسراً كيف يُحفز العطاء إفراز هرمونات معينة تؤدي إلى زوال الخوف والحزن وتحقيق السكينة الداخلية.
المحور الأول: آليات المكافأة العصبية
(هرمونات السعادة)
فعل العطاء يُنشط مراكز المكافأة في الدماغ، مما يترجم الشعور الروحي بالرضا إلى استجابة فيزيولوجية حقيقية عبر إفراز هرمونات أساسية:
1- الدوبامين (Dopamine):
— يُعرف بهرمون التحفيز والمكافأة.
— الصدقة تُحفز إفراز الدوبامين في نظام المكافأة (Mesolimbic Pathway) في الدماغ، وهو نفس المسار الذي يتنشط عند الحصول على مكافأة مادية أو إنجاز مهمة.
— يمنح هذا الشعور باللذة والرضا الذاتي، ويشجع على تكرار السلوك الخيري.
2- السيروتونين (Serotonin):
— يُعد المنظم الرئيسي للمزاج والنوم والشهية.
— الارتفاع في مستويات السيروتونين الناتج عن العطاء يساهم في الشعور بالهدوء والاستقرار النفسي.
— يلعب دوراً وقائياً ضد التقلبات المزاجية والاكتئاب (الحزن).
3- الإندورفين (Endorphins):
— هي مسكنات الألم الطبيعية التي ينتجها الجسم.
— يُطلق العطاء الإندورفين، مما يمنح شعوراً بالبهجة والاسترخاء، ويساعد في التخفيف من الآلام الجسدية والنفسية.
المحور الثاني: الهرمونات المضادة للتوتر والارتباط الاجتماعي
الصدقة ليست مجرد شعور باللذة، بل هي بناء جسور اجتماعية وروحية، وهذا يترجم عبر هرمونات الترابط التي تقاوم الخوف والقلق:
4- الأوكسيتوسين (Oxytocin):
— يُعرف بهرمون الترابط الاجتماعي والثقة.
— يُفرز عند القيام بأعمال اللطف والاتصال الإيجابي، مما يعزز الشعور بالانتماء والتآلف.
— علمياً، للأوكسيتوسين قدرة مثبتة على خفض معدل ضربات القلب وضغط الدم، مما يقلل الاستجابة الفيزيولوجية للخوف والقلق (لا خوف عليهم).
5- انخفاض الكورتيزول (Cortisol):
— الكورتيزول هو هرمون التوتر والإجهاد الأساسي.
— الصدقة المنتظمة، المصحوبة بالنية الصادقة، تُقلل من الإحساس بالضغوط الشخصية والتركيز على الذات، مما يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في مستويات الكورتيزول في الدم.
— انخفاض الكورتيزول يعني تقليل حالة التأهب والقلق المزمن، وبالتالي نفي الحزن والخوف.
المحور الثالث: التفسير النفسي (لا خوف ولا حزن)
من الناحية النفسية البحتة، يوفر العطاء آليات حماية عقلية تُحقق الطمأنينة المذكورة في الآية:
أ- الشعور بالهدف والمعنى:
الانخراط في مساعدة الآخرين يمنح الحياة هدفاً أعمق يتجاوز المكاسب الشخصية، مما يُعد درعاً نفسياً قوياً ضد الشعور بالعبثية والاكتئاب (الحزن).
ب- تقوية المناعة النفسية:
الصدقة المنتظمة تزيد من مرونة الفرد النفسية وقدرته على التعامل مع الأزمات، لأنه يمتلك مصدراً مستمراً للقوة والرضا الداخلي غير مرتبط بالظروف الخارجية.
ج- تخفيف القلق المالي:
عندما ينفق الإنسان في سبيل الله بثقة واطمئنان، فإنه يُحارب القلق الفطري المتعلق بفقدان المال، ويستبدله باليقين بأن الرزق بيد الخالق، مما يقضي على الخوف من المستقبل.
وختاما….يُظهر التحليل العلمي والبيولوجي أن وعد الله للمنفقين بالطمأنينة (لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون) يجد تأييداً في كيمياء أجسادنا. إن الصدقة تُعد نظاماً بيولوجياً ونفسياً متكاملاً للمناعة ضد التوتر والقلق، حيث تُحول الطاقة السلبية (الخوف والحزن) إلى طاقة إيجابية بناءة عبر إفراز هرمونات السعادة والترابط، وتثبيط هرمونات الإجهاد. وهكذا، يتقاطع الإيمان مع العلم ليؤكدا أن العطاء ليس مجرد واجب ديني، بل هو وصفة طبية ربانية لتحقيق الصحة النفسية والاطمئنان الحقيقي في الحياة الدنيا.
