بقلم السيد عيد
ثمة لحظة في عمر كل أمة يتعيّن فيها أن تتوقف، أن تنظر في المرآة بلا تجميل، بلا ورق سلوفان يُخفي الشقوق. لحظة قاسية، لكنها ضرورية، نكتشف فيها أننا صرنا نهوى جلد بعضنا أكثر مما نهوى فهم بعضنا. نتصيّد الأخطاء كأننا حُماة الحقيقة، ونمارس السخرية كأنها بطولة، ونتعامل مع نقص غيرنا كأننا مكتملون… وما نحن بذلك.
عجيبٌ هذا الإنسان: ينسى هشاشته في أول فرصة، ويقف على رماد تجربة واحدة ليعلن نفسه حكيمًا على العالم. ولو أَصغى قليلًا لعرف أنه ليس سوى مسافرٍ تتقاذفه الطرق، يخطئ أكثر مما يصيب، ويتعثر أكثر مما يتقدم، ومع ذلك يتباهى بضحكة ساخرة لا تُخفي إلا خواءً يسكن داخله.
إن السخرية ليست شجاعة، بل ضعفٌ يتخفّى.
والتقليل من الناس ليس قوة، بل إفلاس أخلاقي لا يملك صاحبه إلا الضوضاء.
والذين يُشهرون عيوب الآخرين، إنما يهربون بوعي أو بغير وعي من مواجهة عيوبهم هم.
لم يُخلق الإنسان مُصانًا من الخطأ، ولا مُحصّنًا من الزلل؛ بل خُلق كائنًا يبحث، يتعلم، ينهض ويقع، وتظل قيمته في رحلته، لا في ادعاءاته. أما الذين يرفعون أصابع الاتهام على كل هفوة، فهم الذين سقطوا في أول درس ولم ينتبهوا.
نحن لم نولد علماء، ولم نجد الطريق ممهدًا، ولم نتسلم مفاتيح الحكمة في ساعة الميلاد. كل ما نملكه هو تجاربنا، وجراحنا، ومحاولاتنا التي نعيد خياطتها كل يوم. فمن أين جاء بعضنا بهذا الغرور الذي يجعله يقف على منصة لا أحد نصبَه عليها؟
إن الاحترام ليس ترفًا، بل ضرورة إنسانية.
والرحمة ليست ضعفًا، بل دليل قوة داخلية لا تحتاج إلى ضجيج لتثبت وجودها.
أما الاحتقار فهو السقوط العظيم الذي لا يليق بروحٍ خُلقت من نور وطين معًا.
ولنقلها بصراحة تُشبه الحكمة القاسية للحياة:
من يسخر اليوم، سيُسخَر منه غدًا. ومن يقلّل من غيره، إنما يقلّل من نفسه أوّلًا.
العالم لم يعد يحتمل مزيدًا من الجفاء.
والإنسان لم يعد يحتاج إلى صفعة جديدة، بل إلى يدٍ تمتد لا لتدفعه، بل لترفعه.
فدعونا نتوقف عن هذه الحرب الصغيرة التي نخوضها ضد بعضنا لأننا، في النهاية، نخسر أنفسنا ونحن نظن أننا نربح.
يكفينا أن نتذكر:
أن كل روحٍ أمامنا تحمل حكايةً لا نعرفها، وجرحًا لا نراه، وضعفًا لا يليق بنا أن نسخر منه.
وأن الكلمة قد توقظ إنسانًا… أو تهدمه إلى الأبد
