د.نادي شلقامي
تُعد متلازمة رينود اضطراباً شائعاً ولكنه غالباً ما يكون بسيطاً، يُصيب الأوعية الدموية الصغيرة في الأطراف، خاصةً أصابع اليدين والقدمين. سُميت بهذا الاسم نسبةً إلى الطبيب الفرنسي موريس رينود الذي وصفها لأول مرة عام 1862. يتميز الاضطراب بحدوث تشنج وعائي (تضيق مفاجئ ومؤقت) في الشرايين الصغيرة كرد فعل مبالغ فيه تجاه البرد أو الإجهاد العاطفي، مما يؤدي إلى تقليل تدفق الدم بشكل ملحوظ.
أولا… ما هي متلازمة رينود؟ (What is Raynaud’s Syndrome?)
متلازمة رينود، أو ظاهرة رينود، هي حالة مرضية وظيفية تتميز بنوبات مُتكررة من تشنج الأوعية الدموية التي تُغذي أصابع اليدين والقدمين (وأحياناً الأنف، الأذنين، والشفتين). تُصنف متلازمة رينود إلى نوعين رئيسيين:
أ- متلازمة رينود الأولية (Primary Raynaud’s): وهي الشكل الأكثر شيوعاً والأقل خطورة، ولا تكون مُرتبطة بأي مرض آخر. تُعرف أيضاً باسم “مرض رينود”.
ب- متلازمة رينود الثانوية (Secondary Raynaud’s): وهي الشكل الأقل شيوعاً والأكثر تعقيداً، وتكون ناتجة عن حالة طبية كامنة أخرى، مثل أمراض النسيج الضام (كالذئبة، تصلب الجلد) أو إصابات معينة. تُعرف أيضاً باسم “ظاهرة رينود”.
ثانيا…. الأسباب (Causes)
تعتمد الأسباب على نوع المتلازمة:
أ. أسباب متلازمة رينود الأولية (المرض):
— غير معروفة بدقة: يُعتقد أنها نتيجة لفرط حساسية الجهاز العصبي الودي، الذي يتحكم في انقباض واسترخاء الأوعية الدموية.
ب. أسباب متلازمة رينود الثانوية (الظاهرة):
1- أمراض النسيج الضام: مثل تصلب الجلد (السبب الأكثر شيوعاً)، الذئبة الحمامية الجهازية، التهاب المفاصل الروماتويدي، ومتلازمة شوغرن.
2- إصابات الأوعية الدموية: الناتجة عن الصدمات أو الإصابات المُتكررة (مثل استخدام أدوات الاهتزاز لفترات طويلة).
3- بعض الأدوية: مثل حاصرات بيتا، أدوية الصداع النصفي التي تحتوي على الإرغوتامين، بعض أدوية العلاج الكيميائي، وبعض الأدوية المُستخدمة لعلاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD).
4- التدخين: يسبب تضيقاً في الأوعية الدموية.
5- حالات طبية أخرى: مثل قصور الغدة الدرقية أو ارتفاع ضغط الدم الرئوي.
ثالثا….. الأعراض (Symptoms)
تحدث الأعراض على شكل نوبات، وتتضمن تغيرات لونية ثلاثية في الجلد، عادةً استجابةً للبرد أو الإجهاد:
1- الشحوب (ابيضاض): المنطقة المصابة تفقد لونها وتصبح بيضاء أو شاحبة بسبب نقص تدفق الدم.
2- الزرقة (ازرقاق): تتحول المنطقة إلى اللون الأزرق بسبب نقص الأكسجين في الدم (نقص التأكسج).
3- الاحمرار (تورد): عند زوال التشنج وعودة تدفق الدم، تشعر المنطقة بالدفء أو الخفقان وقد تتحول إلى اللون الأحمر.
أعراض أخرى مُصاحبة:
1- تنميل أو خدر: في الجزء المصاب أثناء نوبة نقص التروية.
2-ألم أو حرقان: عند عودة تدفق الدم (مرحلة الاحمرار).
3- تقرحات جلدية (في الحالات الشديدة النادرة): خاصة في متلازمة رينود الثانوية، حيث قد يؤدي نقص التروية المزمن إلى تلف الأنسجة.
رابعا ….التشخيص (Diagnosis)
يعتمد التشخيص على الأعراض المميزة واستبعاد الأسباب الأخرى:
1- التاريخ الطبي والفحص السريري: يسأل الطبيب عن الأعراض (خاصة الاستجابة للبرد)، الأدوية المُستخدمة، والتاريخ العائلي.
2- اختبار تحفيز البرد (Cold Stimulation Test): يتم تعريض أصابع المريض للبرد لمراقبة ظهور نوبة رينود.
3- تنظير الشعيرات الدموية (Nailfold Capillaroscopy): يتم فحص الجلد عند قاعدة الأظافر تحت مجهر خاص.
— في رينود الأولية: تكون الشعيرات الدموية طبيعية.
— في رينود الثانوية: قد تظهر تشوهات في الشعيرات الدموية (مثل التضخم أو النزف)، مما يشير إلى مرض نسيج ضام كامن.
4- فحوصات الدم (للكشف عن النوع الثانوي):
– الأجسام المُضادة للنواة (ANA): إذا كانت إيجابية، قد تشير إلى أمراض المناعة الذاتية.
— معدل ترسيب كرات الدم الحمراء (ESR) والبروتين المتفاعل C (CRP): لقياس مستويات الالتهاب.
خامسا…. العلاج (Treatment)
يهدف العلاج إلى تقليل شدة وتكرار النوبات ومنع تلف الأنسجة.
أ. الإجراءات غير الدوائية (Non-Pharmacological Measures):
1- التحكم في درجة الحرارة: تجنب التعرض للبرد (ارتداء القفازات والجوارب الثقيلة والقبعات).
2- التعامل مع التوتر: ممارسة تقنيات الاسترخاء والحد من التوتر العاطفي.
3- الإقلاع عن التدخين: وهو أمر بالغ الأهمية لتجنب تضيق الأوعية.
4- تجنب الأدوية المُحفزة: بمساعدة الطبيب.
ب. العلاج الدوائي (Pharmacological Treatment):
يستخدم عادةً في حالات رينود الثانوية أو الأولية الشديدة:
1- حاصرات قنوات الكالسيوم (Calcium Channel Blockers): مثل نيفيديبين (Nifedipine)، وهي الأدوية الأكثر شيوعاً، وتعمل على إرخاء جدران الأوعية الدموية وزيادة تدفق الدم.
2- مُوسعات الأوعية الأخرى: مثل مثبطات الفوسفوديستيراز (مثل سيلدينافيل) في الحالات الشديدة.
3- علاج الأمراض الكامنة: إذا كان السبب هو متلازمة رينود الثانوية، يجب علاج المرض الأساسي (مثل تصلب الجلد).
ج. التدخل الجراحي (Surgery):
يُستخدم في حالات نادرة وشديدة لـ رينود الثانوية التي لا تستجيب للعلاج الدوائي، ويشمل:
— قطع العصب الودي (Sympathectomy): إجراء جراحي لقطع الأعصاب الودية التي تتحكم في تضيق الأوعية في اليدين والقدمين.
سادسا…. كيفية الوقاية (Prevention)
تتركز الوقاية بشكل أساسي على تجنب المُحفزات:
1- الدفء المستمر:
1-1- ارتداء طبقات من الملابس والقفازات والجوارب العازلة.
1-2- استخدام أجهزة تدفئة اليدين والقدمين في الطقس البارد.
1-3- تدفئة السيارة قبل القيادة وتجنب مسك الأشياء الباردة.
2- تجنب التغيرات المفاجئة في درجة الحرارة: (مثل الانتقال من بيئة دافئة إلى غرفة مُكيفة باردة جداً).
3- السيطرة على التوتر: ممارسة الرياضة، اليوجا، والتأمل.
4- تجنب مُسببات تضيق الأوعية: الإقلاع عن التدخين وتقليل الكافيين.
5- العناية بالجلد: ترطيب اليدين والقدمين بانتظام لمنع الجفاف والتشقق، وتجنب الجروح.
وختاما…تعد متلازمة رينود حالة مزمنة تتطلب إدارة مستمرة، ولكن غالباً ما تكون خفيفة ويمكن السيطرة عليها بفعالية من خلال التعديلات في نمط الحياة وتجنب المُحفزات، لا سيما في النوع الأولي. بينما يتطلب النوع الثانوي اهتماماً أكبر وعلاجاً للمرض الكامن. الاستشارة الدورية مع طبيب مختص (غالباً أخصائي الروماتيزم) أمر بالغ الأهمية لتحديد النوع، وتعديل خطة العلاج، ومنع المضاعفات النادرة ولكن الخطيرة، مثل تقرحات الأطراف.
