د. إيمان بشير ابوكبدة
تشهد مراكز استقبال طالبي اللجوء في إيطاليا تراجعًا حادًا في تنظيم دورات تعليم اللغة الإيطالية، إلى حدّ اختفائها شبه الكامل في كثير من المراكز. ويأتي هذا التراجع نتيجة حزمة من المراسيم التي أقرتها حكومة جورجا ميلوني، وأسفرت عن تقليص أو إلغاء خدمات أساسية موجّهة للمهاجرين، من بينها تعليم اللغة، والدعم النفسي، والمساعدة القانونية.
وتبرّر الحكومة هذه الإجراءات بالسعي إلى خفض الإنفاق العام، غير أن منظمات المجتمع المدني وخبراء الهجرة يرون فيها مساسًا مباشرًا بأحد أهم مفاتيح الاندماج، وهو تعلّم لغة البلد المضيف. فغياب اللغة لا يحرم طالبي اللجوء من التواصل فحسب، بل يعطّل قدرتهم على العمل والدراسة وبناء علاقات اجتماعية طبيعية.
ويحذّر فيليبو ميراليا، المسؤول عن ملف الهجرة في منظمة «آرتشي» (ARCI)، من أن المقيمين في مراكز الاستقبال باتوا «في حالة شلل شبه كامل»، إذ يقضون فترات طويلة من دون أي أدوات حقيقية تمكّنهم من فهم المجتمع الذي يعيشون فيه أو التفاعل معه.
وتبرز المشكلة بشكل خاص داخل «مراكز الاستقبال الاستثنائية» (CAS)، التي تستقبل نحو 73% من طالبي اللجوء في إيطاليا، وتُدار عبر مناقصات تُسند إلى تعاونيات وجمعيات خاصة. وفي هذه المراكز، ينتظر المهاجرون البتّ في طلبات لجوئهم لأشهر، وغالبًا لسنوات، قد تصل في بعض الحالات إلى أربع سنوات أو أكثر بسبب طول الإجراءات وتعدد الطعون القانونية.
وخلال السنوات الأخيرة، أعادت القوانين المنظمة لهذه المراكز رسم حدود الخدمات المقدَّمة فيها. فمنذ «مرسوم الأمن» عام 2018، الذي روج له وزير الداخلية السابق ماتيو سالفيني، لم تعد الجهات المشغّلة مُلزَمة بتوفير دورات لغة. ورغم تعديلات محدودة لاحقًا، أعادت حكومة ميلوني تثبيت هذا التوجّه عام 2023 عبر «مرسوم كوترو».
وبموجب هذه السياسات، أصبحت برامج الاندماج، بما فيها تعليم اللغة الإيطالية، مقتصرة على من حصلوا بالفعل على حماية دولية أو فئات محددة مثل القاصرين غير المصحوبين بذويهم. أما الغالبية المقيمة في مراكز CAS، فتُترك من دون دعم لغوي فعلي، إذ تُدرج الدورات – إن وُجدت – ضمن أنشطة ترفيهية غير إلزامية.
هذا الواقع دفع معظم الجهات المشغّلة إلى إلغاء الدورات لتقليص التكاليف، فيما تعتمد المبادرات القليلة المتبقية على العمل التطوعي. ويؤكد عالم الاجتماع ماركو أميزولو من معهد «أوريسبس» أن هذا النهج غير مستدام، لأن تعليم اللغة يتطلب خبرات مهنية متخصصة لا يمكن تعويضها بالتطوع وحده.
ورغم وجود بدائل خارج المراكز، فإنها غالبًا محدودة المقاعد وبعيدة جغرافيًا، ما يجعل الوصول إليها صعبًا على مهاجرين يفتقر كثير منهم إلى الموارد المالية ووسائل النقل. ونتيجة لذلك، يقضي آلاف طالبي اللجوء سنوات من دون اكتساب أبسط مهارات اللغة، ما يعرّضهم لاحقًا للهشاشة الاجتماعية والاستغلال في سوق العمل، خصوصًا في القطاعات الزراعية الموسمية.
وتدافع الأحزاب اليمينية عن هذه السياسات بحجة ترشيد الموارد، غير أن جانفرانكو سكيافوني، رئيس جمعية «الاتحاد الإيطالي للتضامن» (ICS)، يشير إلى أن الميزانيات المخصصة لإقامة المهاجرين لم تنخفض فعليًا، بل إن ما تغيّر هو رفع الإلزام عن تقديم خدمات أساسية، ما يمنح القرار طابعًا سياسيًا أكثر منه اقتصاديًا.
وفي الوقت ذاته، ارتفعت نسب رفض طلبات اللجوء منذ تولي حكومة ميلوني، لتصل إلى نحو 70%، مقارنة بمتوسط أوروبي يبلغ 51%. ويخلق هذا الواقع مفارقة واضحة: فزيادة الرفض تؤدي إلى مزيد من الطعون، وإلى بقاء المهاجرين لفترات أطول داخل المراكز، ما يرفع التكاليف على الدولة ويعمّق في الوقت نفسه عزلتهم الاجتماعية، بعكس الهدف المعلن لتقليص النفقات.
