عبدالحي كريط
صدر حديثًا معجم موسوعي جديد من إعداد الدكتور أنور محمود زناتي، أستاذ التاريخ والحضارة بجامعة عين شمس، وبمقدمة للدكتور كارل بينتو، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة كولورادو بولدر الأمريكية، يرصد الكلمات الإسبانية ذات الأصول العربية في عمل علمي يتجاوز منطق الجمع والتعداد إلى أفق التحليل التاريخي والحضاري.
ويأتي هذا الإصدار بوصفه مساهمة نوعية في حقل الدراسات اللغوية والمعجمية، إذ يعالج الإرث اللغوي العميق الذي تشكّل عبر قرون من التفاعل بين العربية والإسبانية، ولا سيما خلال التجربة الأندلسية، حين تحوّلت العربية إلى وسيط مركزي لنقل المعارف والتقنيات والمفاهيم وأنماط العيش إلى الفضاء الإيبيري.
ويبرز المعجم حضور العربية في الإسبانية كأحد أكثر شواهد الاحتكاك اللغوي ثراءً في التاريخ، حضورٌ تبلور خلال نحو ثمانية قرون من التفاعل الحضاري، منذ الفتح الإسلامي للأندلس سنة 92هـ/711م إلى سقوطها سنة 897هـ/1492م. وخلال هذه المرحلة، تشكّلت بيئة لغوية مركّبة التقت فيها العربية مع اللاتينية المتأخرة والقشتالية والقطلانية والباسكية، ما أفضى إلى تأثير واسع شمل المفردات والتراكيب وأسماء الأماكن، وامتد إلى الحقول العلمية والإدارية والفكرية.
ويستند المعجم إلى مراجع لغوية وتاريخية معتمدة، من بينها أعمال خوان كوروميناس، ودوزي، وفيديريكو كورينتي، ومعاجم الأكاديمية الملكية الإسبانية (RAE)، التي تُجمع على أن العربية أسهمت بأكثر من أربعة آلاف لفظ مباشر وغير مباشر في اللغة الإسبانية، لتكون ثاني أكبر مصدر معجمي فيها بعد اللاتينية.
ولا يقتصر هذا الأثر على الاستعمال اليومي، بل يشمل مجالات محورية مثل الزراعة والري، والعمارة والفنون، والموسيقى، والإدارة والقانون، والفلسفة والعلوم، والتجارة والمال، والطهي والنسيج.
ويقدّم العمل مقاربة موسّعة للظاهرة، عبر تتبّع الألفاظ ذات الأصل العربي، وتحليل بنيتها الصوتية والصرفية، ورصد تحوّلاتها الدلالية عبر العصور، وربطها بسياقاتها الحضارية. كما يسلّط الضوء على عوامل تاريخية أسهمت في ترسيخ هذا التأثير، من بينها حركة الترجمة في طليطلة، وازدهار الحِرَف والصناعات، وتقدّم العمارة والزراعة الأندلسيتين، وتطوّر النظم الإدارية والمالية المستمدة من الفقه الإسلامي.
ولا يقدّم المعجم نفسه بوصفه أداة لغوية محضة، بل قراءة فكرية لحضور العربية في الإسبانية باعتباره سجلًا حيًا لذاكرة الأندلس، ودليلًا على التبادل الثقافي الذي أسهم في تشكيل ملامح النهضة الأوروبية. ويؤكد القائمون عليه أن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل وعاء للتجربة الإنسانية، ومن خلالها يمكن إعادة قراءة تاريخ الأندلس وفهم طبيعة التلاقح الحضاري الذي جعل من شبه الجزيرة الإيبيرية جسرًا بين الشرق والغرب.
ويهدف الإصدار إلى ترسيخ حقيقة لغوية مفادها أن أثر العربية في الإسبانية ليس طارئًا ولا زخرفيًا، بل مكوّن بنيوي من هوية اللغة ذاتها، وأن الحضور العربي في إسبانيا تجاوز البعد السياسي ليغدو مشاركة فكرية وثقافية ممتدة، ما تزال آثارها حاضرة في أسماء المدن والأنهار، وفي مفردات الحياة اليومية والعلم والإدارة، في تأكيد جديد على أن تفاعل اللغات كان، ولا يزال، مسارًا للتكامل والإغناء المتبادل.
