د.نادي شلقامي
رحل عن عالمنا الإعلامي القدير إبراهيم حجازي بعد مسيرة حافلة بالعطاء، ترك خلالها بصمة لا تُمحى في مجالي الصحافة والإعلام الرياضي والسياسي. لم يكن “حجازي” مجرد ناقد رياضي، بل كان ضابطاً في القوات المسلحة ومشاركاً في حرب أكتوبر المجيدة، وهو ما صبغ شخصيته بصبغة وطنية فريدة جعلته قريباً من قلوب المصريين، خاصة من خلال برنامجه الشهير “في دائرة الضوء”.
–محطات في حياة “عاشق التراب الوطني”
1- النشأة والخلفية العسكرية:
تخرج إبراهيم حجازي في المعهد العالي للتربية الرياضية عام 1967، والتحق بالقوات المسلحة في عام 1968 كضابط في سلاح “القوات الخاصة” (الصاعقة). قضى في الخدمة العسكرية ثماني سنوات، وكان أحد أبطال حرب أكتوبر 1973، وهي التجربة التي ظل يفتخر بها طوال حياته ويعتبرها “أعظم أيام العمر”.
2- المسيرة الصحفية وتأسيس “الأهرام الرياضي”:
بدأ مشواره الصحفي في مؤسسة الأهرام العريقة عام 1975. وبفضل رؤيته الثاقبة، نجح في تأسيس مجلة “الأهرام الرياضي” عام 1990، وترأس تحريرها لمدة 19 عاماً. استطاع من خلالها إحداث ثورة في الصحافة الرياضية العربية، حيث لم تكتفِ المجلة بنشر الأخبار، بل كانت منبراً للنقد البناء وكشف الحقائق.
3- الحضور التلفزيوني المميز:
انتقل حجازي إلى الشاشة من خلال عدة برامج، كان أبرزها “في دائرة الضوء”. تميز بأسلوبه الصريح، ولغته البسيطة التي تصل للمواطن العادي، وقدرته الفائقة على الربط بين الرياضة والقيم الوطنية والاجتماعية.
4- الدور السياسي والبرلماني:
تقديراً لتاريخه وخبرته، تم تعيينه عضواً في مجلس الشيوخ المصري عام 2020، حيث تولى رئاسة لجنة الشباب والرياضة بالمجلس، واستمر في تقديم مقترحات تهدف لتطوير المنظومة الرياضية ودعم الشباب حتى وفاته في يناير 2022.
— الإرث الفكري والمؤلفات: تدوين النصر وعشق الوطن
ترك الراحل إبراهيم حجازي مكتبة فكرية ومهنية غنية، توزعت ما بين الكتب التوثيقية وبين التأسيس لكيانات صحفية لا تزال قائمة، ويمكن تلخيص هذا الإرث في النقاط التالية:
أولاً: المؤلفات الأدبية والتاريخية
تميزت كتاباته بالروح الوطنية العالية، وكان يركز بشكل أساسي على توثيق بطولات حرب أكتوبر وتوعية الشباب بمكانة جيشهم، ومن أبرز مؤلفاته:
1- كتاب “خارج دائرة الضوء”: وهو من أشهر كتبه، حيث تناول فيه كواليس وقصصاً لم تُروَ من قبل عن أبطال القوات المسلحة، وكيف استطاع المقاتل المصري قهر المستحيل.
2- كتاب “سنوات الشدة والانتصار”: وثق فيه الفترة من نكسة 1967 وحتى نصر 1973، مسلطاً الضوء على الصمود المصري الشعبي والعسكري.
3-سلسلة مقالات “خارج دائرة الضوء”: التي استمرت لسنوات في جريدة الأهرام، وكانت تعتبر مرجعاً في نقد الأوضاع الرياضية والاجتماعية بأسلوب وطني غيور.
ثانياً: الإرث المؤسسي والمهني
1- تأسيس “الأهرام الرياضي”: يُعد أكبر إرث مهني له، حيث حول الصحافة الرياضية من مجرد “أخبار نتائج” إلى “تحليل واستقصاء”، وجعل المجلة مدرسة تخرج منها مئات الصحفيين الرياضيين في الوطن العربي.
2- جائزة “الأهرام الرياضي”: ساهم في وضع أسس لاختيار أفضل الرياضيين بناءً على معايير مهنية دقيقة، مما خلق منافسة شريفة في الوسط الرياضي.
ثالثاً: الإرث البرلماني والتشريعي
بصفته رئيساً للجنة الشباب والرياضة بمجلس الشيوخ، ترك إرثاً من التقارير والتشريعات التي تهدف إلى:
1- تحويل مراكز الشباب إلى مراكز إبداع ثقافي وفكري وليس رياضي فقط.
2- تقديم مقترحات لتطوير قانون الرياضة لضمان استقلالية المؤسسات واكتشاف المواهب في القرى والنجوع.
رابعاً: اقتباسات خلدت ذكراه
— “نحن جيل لا يعرف المستحيل، جيل تعلم أن تراب هذا الوطن أغلى من الحياة نفسها.”
— “الرياضة ليست مجرد كرة قدم، بل هي أخلاق وبناء للإنسان قبل بناء الأجسام.”
وختاما…فإن رحيل إبراهيم حجازي مثل خسارة كبيرة للوسط الإعلامي، لكن إرثه سيظل حياً من خلال تلاميذه ومؤلفاته وكتاباته التي دائماً ما نادت بإعلاء مصلحة الوطن فوق أي اعتبار. لقد كان نموذجاً لـ “الصحفي المقاتل” الذي دافع عن مبادئه بكل شجاعة، وبقي مخلصاً لتراب مصر حتى اللحظة الأخيرة.
