بقلم: د. نبيل سامح
مقدمة
تعد العمليات البحرية تحت سطح البحر أحد أهم المجالات في صناعة النفط والغاز، نظرًا لتقنيات الحفر المتقدمة والعمق الكبير للآبار، والظروف البيئية القاسية. ومع تزايد الاعتماد على هذه العمليات، تصبح السلامة في بيئة تحت سطح البحر أولوية قصوى لضمان حماية العاملين، والحفاظ على المعدات، والتقليل من المخاطر البيئية.
العمليات البحرية تتضمن مجموعة من الأنشطة مثل الحفر، الإنتاج، النقل، وصيانة خطوط الأنابيب تحت الماء، وكل نشاط يحمل مجموعة من المخاطر الفريدة التي تتطلب استراتيجيات سلامة متقدمة.
1. طبيعة المخاطر في العمليات البحرية تحت سطح البحر
تتميز بيئة العمليات البحرية بعدة عوامل تزيد من خطورة العمل:
ضغط الماء المرتفع: كلما زاد العمق، ارتفع الضغط، مما يزيد من احتمال تلف المعدات وحدوث حوادث.
تيارات البحر القوية: تؤثر على استقرار المعدات والمنصات الغاطسة وتزيد من صعوبة التحكم في عمليات الحفر والإنتاج.
الظروف الجوية المتغيرة: الأمواج العالية والعواصف تؤثر على عمليات الصيانة ونقل المعدات.
التعامل مع الغازات والمواد البترولية تحت الماء: خطر الانفجارات والتسربات عالية جدًا في حال الإهمال.
الوصول المحدود للإنسان: العمليات تحت سطح البحر تحتاج إلى معدات روبوتية أو غواصين، مما يزيد من التعقيد عند وقوع أي خطأ.
هذه المخاطر تجعل من الضروري اعتماد سياسات سلامة صارمة وتقنيات حديثة للحد من الحوادث.

2. استراتيجيات السلامة الأساسية
تعتمد السلامة في العمليات البحرية على عدة محاور نظرية أساسية، منها:
التصميم الهندسي الآمن
اختيار المواد المقاومة للضغط والصدأ
تصميم خطوط الأنابيب والآبار بطريقة تقلل من احتمالية التسربات
تركيب أجهزة مراقبة ضغط وحرارة مستمرة
المراقبة والتحكم المستمر
استخدام أنظمة التحكم عن بعد لمراقبة المعدات
رصد أي تغيرات في الضغط أو درجة الحرارة أو تدفق السوائل
الاعتماد على أجهزة الاستشعار الذكية لتقديم تحذيرات مبكرة
إدارة المخاطر
تحليل المخاطر قبل البدء في أي عملية
وضع سيناريوهات للطوارئ لتقليل الأضرار المحتملة
تحديد الأولويات للتعامل مع المخاطر الأكبر أولًا
تدريب العاملين
تدريب الفرق على الإجراءات الطارئة
استخدام المحاكاة الافتراضية لتعليم التعامل مع الأعطال
رفع وعي العاملين بأهمية الالتزام بالإجراءات الوقائية
3. معدات السلامة في العمليات البحرية تحت سطح البحر
تلعب المعدات دورًا حيويًا في حماية العمال وضمان استمرارية العمليات:
أجهزة الكشف عن الغازات: لرصد أي تسرب غازي قبل أن يتحول لخطر كبير.
نظام الإغلاق السريع للأنابيب (Shut-off System): لإيقاف تدفق المواد البترولية عند حدوث خلل.
غواصات ومعدات روبوتية (ROVs): للوصول إلى مناطق خطرة دون تعريض الإنسان للخطر.
معدات الطوارئ والإنقاذ: تشمل زوارق الإنقاذ، الخوذ، وأجهزة التنفس تحت الماء.
أنظمة المراقبة والتحكم عن بعد: لمتابعة جميع العمليات تحت الماء بشكل مستمر ودون تدخل بشري مباشر.
هذه المعدات جزء لا يتجزأ من فلسفة السلامة وتقلل من احتمالية وقوع حوادث كارثية.
4. المبادئ النظرية للسلامة في العمليات البحرية
تعتمد فلسفة السلامة على مجموعة من المبادئ النظرية المهمة:
الوقاية خير من العلاج
التركيز على منع الحوادث قبل وقوعها من خلال التصميم الجيد والتخطيط الدقيق.
التكرار والاعتماد على الأنظمة الذكية
وجود أنظمة مراقبة متعددة تعمل معًا لتقليل احتمالية فشل أي جهاز.
تقليل التعرض للمخاطر البشرية
استبدال العمل البشري في البيئات الخطرة بالمعدات الذكية والروبوتات.
المرونة في الاستجابة للطوارئ
وضع خطط مرنة تتيح التعامل مع أي موقف مفاجئ دون فقد السيطرة على العملية.
التعلم المستمر
تحليل أي حادث أو خلل والتعلم منه لتحسين أنظمة السلامة المستقبلية.
5. التحديات في الحفاظ على السلامة تحت سطح البحر
رغم تقدم التكنولوجيا، تواجه السلامة تحديات متعددة:
صعوبة الصيانة: عمليات الصيانة تحت الماء مكلفة ومعقدة وتتطلب معدات متخصصة.
تكاليف عالية للأنظمة الذكية: استثمارات ضخمة في أجهزة المراقبة وأنظمة التحكم الذكية.
تغيرات بيئية مفاجئة: مثل الأعاصير أو الأمواج العالية التي تؤثر على المعدات.
تفاعل الإنسان مع التكنولوجيا: الأخطاء البشرية عند التشغيل أو صيانة المعدات قد تؤدي لحوادث كبيرة.
هذه التحديات تتطلب وعيًا مستمرًا، وتدريبًا متطورًا، وتطبيق صارم لمبادئ السلامة.
6. التطورات الحديثة في السلامة البحرية تحت سطح البحر
شهدت الصناعة تطورات مهمة لتحسين السلامة، مثل:
الروبوتات والغواصات الآلية (ROVs): تقلل الاعتماد على الغواصين في البيئات الخطرة.
أنظمة المراقبة الذكية (Smart Monitoring): تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات بشكل لحظي.
المحاكاة الافتراضية: لتدريب الفرق على التعامل مع الأعطال والطوارئ قبل حدوثها فعليًا.
التحكم عن بعد في الحفر والإنتاج: لتقليل تعرض الإنسان للمخاطر.
التكامل الرقمي (Digital Twins): نماذج رقمية للمنصات والآبار لتوقع الأعطال قبل وقوعها.
هذه التطورات جعلت العمليات البحرية أكثر أمانًا وقللت كثيرًا من الحوادث.
7. أهمية الثقافة المؤسسية للسلامة
لا تقتصر السلامة على المعدات والإجراءات فقط، بل تشمل ثقافة المؤسسة:
تعزيز شعور العاملين بالمسؤولية تجاه سلامتهم وسلامة زملائهم.
تشجيع الإبلاغ عن المخاطر بدون خوف من العقاب.
تبني مبدأ التحسين المستمر والتعلم من الأخطاء.
دعم القرارات المبنية على السلامة حتى لو كانت مكلفة أو صعبة.
الثقافة المؤسسية القوية تضمن أن تكون السلامة جزءًا لا يتجزأ من كل عملية، وليس مجرد إجراء شكلي.
الخاتمة
تعد السلامة في العمليات البحرية تحت سطح البحر من أهم العوامل التي تحدد نجاح أي مشروع نفطي أو غازي. فالتحديات البيئية والتقنية تجعلها بيئة محفوفة بالمخاطر، مما يفرض تطبيق إجراءات صارمة، معدات حديثة، استراتيجيات مراقبة، وتدريب مستمر للفرق العاملة.
التركيز على السلامة لا يحمي الإنسان فقط، بل يحافظ على استمرارية العمليات، ويقلل من التكاليف الناتجة عن الحوادث، ويحمي البيئة من أي تسرب أو ضرر. التطورات التكنولوجية الحديثة مثل الروبوتات، الذكاء الاصطناعي، والمحاكاة الرقمية أسهمت بشكل كبير في رفع مستوى الأمان.
أخيرًا، السلامة في العمليات البحرية ليست مسؤولية فردية، بل ممارسة جماعية تتطلب التزام الجميع من أعلى إدارة إلى كل فرد في الميدان لضمان بيئة عمل آمنة ومستدامة.
بقلم: د. نبيل سامح
-مدير تطوير الأعمال في شركة نيلكو
-مدرب دولي معتمد في قطاع النفط والغاز الغاز
-أستاذ في عدة شركات ومراكز تدريب واستشارات، بما في ذلك Enviro Oil، وZAD Academy، وDeep Horizon، وغيرها
-محاضر في جامعات داخل مصر وخارجها
-مساهم في مقالات قطاع النفط لمجلات
Petrocraft وPetrotoday، وغيرها
