بقلم : أحمد رشدى
لم يكن الوقت يومًا خصمًا للإنسان،
بل كان رفيق رحلته منذ البداية. غير أن المفارقة المؤلمة أن هذا الرفيق تحوّل، في وعينا المعاصر، إلى عدو دائم، نطارده ويطاردنا، نشكو ضيقه ونفرّط فيه في آن واحد، ثم نتساءل بدهشة: أين ذهب العمر؟
نعيش اليوم في سباق مفتوح مع الزمن، نُكدّس الساعات بالمهام، ونملأ الأيام بالانشغال، دون أن نمنح لحظة واحدة معناها الحقيقي.
صار الوقت مقسّمًا بين عمل لا ينتهي، وشاشات لا تُغلق، ورسائل لا تنتظر، حتى غابت اللحظات البسيطة التي كانت تمنح للحياة طعمها وهدوءها.
ومن مظاهر هذا العداء الصامت للوقت أننا ابتعدنا، دون أن نشعر، عن الأكل الصحي المنتظم، وعن مائدة الطعام التي كانت تجمع الأسرة لا للأكل فقط، بل للحديث، والإنصات، وتبادل التفاصيل اليومية.
تحولت الوجبات إلى فعل سريع، يُؤدى على عجل، أمام شاشة، أو بين مواعيد متلاحقة، فخسرنا الغذاء المتوازن، وخسرنا معه دفء الاجتماع العائلي الذي كان يُعيد ترتيب الروح قبل الجسد.
وكذلك اختزلنا ساعات النوم، وكأن الراحة ترف لا نملكه، فصرنا نسهر أكثر مما ينبغي، ونستيقظ قبل أن يكتمل الجسد حقه في الاستشفاء. ومع الوقت، بدأت تظهر مشكلات صحية متعددة، من إرهاق مزمن، وتوتر دائم، واضطرابات جسدية لا نعرف لها سببًا واضحًا، بينما الحقيقة أن الوقت الذي بخلنا به على أجسادنا عاد يطالبنا بثمنه مضاعفًا.
ولم تتوقف الآثار عند هذا الحد، بل امتدت إلى أعيننا التي أنهكها التحديق المستمر في الشاشات والأجهزة اللوحية. ساعات طويلة من الاستخدام المتواصل، بلا فواصل، بلا وعي، جعلت إرهاق العين عرضًا يوميًا، ومقدمة لمشكلات صحية أعمق، نغفل عنها ونحن نظن أن الأمر لا يتجاوز تعبًا عابرًا.
وحين يصبح الوقت عدوًا، نفقد القدرة على التوازن. تتآكل العلاقات تحت ضغط السرعة، ويتراجع التأمل أمام العجلة، ويضيق صدر الإنسان بنفسه قبل أن يضيق بالآخرين. لا نجد وقتًا للجلوس مع من نحب، ولا للإنصات لمن يحتاجنا، ولا حتى لمراجعة ذواتنا.
والوقت، في جوهره، ليس قاسيًا ولا ظالمًا، لكنه مرآة صادقة لا تُجامل. يعكس أولوياتنا كما هي، لا كما نحب أن نراها. فإذا شكونا ضيقه، فلأننا لم نُحسن توزيعه، وإذا شعرنا بعداوته، فلأننا فرّطنا فيه دون وعي.
إن استعادة الصداقة مع الوقت تبدأ بإعادة النظر في طريقة عيشنا، لا في عدد ساعات يومنا. تبدأ بأن نُبطئ إيقاع حياتنا حين يلزم الإبطاء، وأن نُعيد الاعتبار للصحة، وللنوم، وللغذاء، وللجلسة العائلية، وللحظة الصمت والتأمل، فبعض هذه التفاصيل الصغيرة، إذا استعدناها بوعي، قادرة على إنقاذ أعمار كاملة من الاستنزاف.
وفي زمن يركض فيه الجميع، قد تكون الحكمة الحقيقية هي أن نتوقف قليلًا، لا لنهرب من الوقت، بل لنفهمه، ونصادقه من جديد، قبل أن يتحول العدو الذي صنعناه بأيدينا إلى خسارة لا يمكن تعويضها.
