د.نادي شلقامي
في خضم الأزمات العالمية المتلاحقة، يبقى سؤال يحير المراقبين: لماذا أولت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب هذا الاهتمام الاستثنائي بفنزويلا، متجاوزةً مجرد الرغبة في النفط؟ بينما تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، فإن تحليلًا أعمق يكشف عن شبكة معقدة من الأهداف الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية التي شكلت سياسة ترامب تجاه كراكاس. هذا التقرير يستكشف الأبعاد الخفية التي دفعت واشنطن إلى تبني موقف عدائي تجاه حكومة نيكولاس مادورو، مع الأخذ في الاعتبار أن النفط الفنزويلي نفسه ثقيل ورديء الجودة، مما يزيد من أهمية العوامل غير النفطية في هذه المعادلة.
— الأبعاد المتعددة للاستهداف الأمريكي
1- نفط “غير جذاب”: حقيقة مهملة
— نفط خام ثقيل جداً: يتطلب عمليات معالجة مكلفة وتقنيات متطورة لا تمتلكها معظم المصافي الأمريكية التقليدية.
— تكرير محدود: فقط عدد قليل من المصافي المتخصصة في خليج المكسيك (مثل مصفاة سيتغو) تستطيع معالجته.
— تكلفة إنتاج مرتفعة: يحتاج إلى خلط بمخففات باهظة الثمن لنقله عبر الأنابيب.
— حقيقة مهمة: هذا يضعف حجة أن الهدف الأساسي هو “الاستيلاء على النفط”، ويدفع نحو البحث عن أهداف استراتيجية أخرى.
2- الحرب بالوكالة على النفوذ الروسي والصيني
فنزويلا أصبحت منفذًا رئيسيًا للنفوذ الروسي والصيني في النصف الغربي من الكرة الأرضية:
— الوجود العسكري الروسي: استضافة مستشارين عسكريين روس ومعدات متطورة تشكل “خطًا أحمر” لواشنطن
— الاستثمارات الصينية: اتفاقيات بقيمة عشرات المليارات من الدولارات مقابل النفط، مما يخلق نقطة نفوذ صينية في أمريكا اللاتينية
— تحالف هافانا-كاراكاس-موسكو-بكين: تحول فنزويلا إلى حلقة في سلسلة التحالفات المناهضة للهيمنة الأمريكية
3- اختبار نماذج التدخل في عصر ما بعد الحرب الباردة
— حرب هجينة بالوكالة: استخدام العقوبات القصوى والحرب الاقتصادية لاختبار قدرة نظام على الصمود
— دعم حكومة موازية: تجربة اعتماد خوان غوايدو كرئيس مؤيد للغرب نموذجًا للتدخل السياسي غير المباشر
— تهديد التدخل العسكري: إبقاء الخيار العسكري على الطاولة كرسالة لمنافسين عالميين
4- السيطرة على شبكات الجريمة المنظمة العابرة للقارات
— طرق تهريب المخدرات: موقع فنزويلا الاستراتيجي في طريق الكوكايين إلى أمريكا الشمالية وأوروبا
— غسيل الأموال: شبكات معقدة تربط مصالح نخب فاسدة ببنوك عالمية
— التهريب العابر للحدود: الذهب والمعادن الثمينة وغيرها من الموارد المسروقة
5- منع نموذج بديل عن الرأسمالية النيوليبرالية
— اشتراكية القرن الحادي والعشرين: نجاح أو فشل النموذج الفنزويلي يؤثر على حركات اليسار في المنطقة
— التجارة الإقليمية البديلة: محاولات فنزويلا لخلق أنظمة تبادل بعيدة عن الدولار الأمريكي
— تمرد على الهيمنة الغربية: رمزية التحدي الفنزويلي لواشنطن تلهم حكومات إقليمية أخرى
6- السيطرة على الموارد الاستراتيجية بخلاف النفط
— الذهب: تمتلك فنزويلا احتياطيات ضخمة من الذهب تقدر بمليارات الدولارات، وتشكل بديلاً حقيقياً عن النفط
— الكولتان والمعادن النادرة: أساسية للصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة
— المياه العذبة والتنوع البيولوجي: ثروات طبيعية هائلة في منطقة الأمازون الفنزويلية
7- قضية إنسانية تُستغل لأجندات سياسية
— تسييس أزمات الهجرة: استخدام تدفق اللاجئين الفنزويليين كأداة ضغط على دول الجوار
— الإغاثة الإنسانية المعلقة: تحويل المساعدات إلى سلاح سياسي في معارك النفوذ
وختاما…. فنزويلا كساحة معركة متعددة الأبعاد
— فنزويلا في عهد ترامب لم تكن مجرد دولة غنية بالنفط – حتى لو كان نفطاً ردئ وتكلفة استخراجه عالية – تسعى واشنطن للسيطرة على ثرواتها، بل كانت ساحة معركة متعددة الأوجه: جيوسياسية بين القوى العظمى، اقتصادية بين نماذج تنموية، أمنية في الحرب على المخدرات والجريمة المنظمة، وإيديولوجية بين مشاريع حضارية متنافسة.
— النقطة الأهم: كون النفط الفنزويلي “رديئاً” يزيد من أهمية العوامل غير النفطية في المعادلة. لو كان الهدف مجرد نفط، لكانت واشنطن أولت اهتماماً أكبر بدول منتجة أخرى. التركيز على فنزويلا رغم جودة نفطها المنخفضة يؤكد أن المسألة تتعلق بـ:
1- منع تحالف معادٍ (روسيا والصين) من التمدد في “الحديقة الخلفية” الأمريكية.
2- السيطرة على موارد أكثر استراتيجية مثل الذهب والمعادن النادرة.
3- إسقاط نموذج سياسي يهدد الهيمنة الأمريكية في الإقليم.
الدرس المستفاد أن الصراع على فنزويلا يكشف عن تحول في طبيعة الصراعات الدولية في القرن الحادي والعشرين، حيث لم تعد الموارد الطبيعية التقليدية وحدها محط الأنظار، بل أصبحت المواقع الجيوسياسية والتحالفات الاستراتيجية والهيمنة الإقليمية تشكل معاً خريطة مصالح أكثر تعقيداً مما تبدو عليه.
ما يحدث في فنزويلا اليوم هو فصيل من فصول الصراع الأوسع على شكل النظام العالمي الجديد، حيث تتصادم رؤى متعارضة للسيادة والتنمية والحوكمة الدولية. السؤال الذي يبقى معلقاً: هل ستكون فنزويلا نقطة تحول في تاريخ الهيمنة الأمريكية على نصفها الجنوبي من العالم، أم مجرد فصل آخر في سجل طويل من التدخلات؟
