بقلم : أحمد رشدي
لم يشهد التاريخ الإنساني زمنًا كان فيه الناس أكثر اتصالًا من عصرنا الحالي، ومع ذلك لم تكن الوحدة بهذا الحضور الطاغي كما نراها اليوم. الهواتف الذكية لا تفارق الأيدي، والتطبيقات تفتح أبواب التواصل على مدار الساعة،
ومع ذلك يشعر كثيرون بفراغ داخلي عميق، وعزلة صامتة لا يبددها كثرة الرسائل ولا وفرة التفاعلات.
إنها مفارقة العصر الحديث اتصال دائم، وقرب مفقود.
من منظور علم النفس، يؤكد المختصون أن الإنسان لا يكتفي بالتواصل الشكلي، بل يحتاج إلى ما يُعرف بالارتباط العاطفي الحقيقي،
وهو ذلك الشعور بالأمان الناتج عن التفاعل المباشر، والنظر في العيون، وسماع نبرة الصوت، ومشاركة اللحظة ذاتها.
التواصل الرقمي، رغم سهولته، يفتقر إلى هذه العناصر الجوهرية، فيُشبع الحاجة السريعة للاهتمام، لكنه يعجز عن بناء علاقات مستقرة. وتشير دراسات نفسية حديثة إلى أن الإفراط في استخدام وسائل التواصل قد يزيد من الإحساس بالوحدة والقلق، لأنه يخلق وهم القرب دون مضمونه.
ومع مرور الوقت، استُبدلت اللقاءات الإنسانية بالرموز التعبيرية، والحوارات العميقة بمقاطع قصيرة ورسائل مقتضبة.
وأصبح الإنسان حاضرًا في عشرات المساحات الافتراضية، لكنه غائب عن الجلسة العائلية، وعن الحوار الصادق، وعن الإصغاء الحقيقي. وهكذا يتسع الفراغ رغم ازدحام الشاشات.
أما في المنظور الديني، فقد جاء الإسلام ليؤسس لمجتمع يقوم على الألفة والمودة والتراحم الحقيقي، لا على المعرفة السطحية. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، والتعارف هنا لا يقتصر على تبادل المعلومات، بل يشمل بناء الروابط الإنسانية القائمة على القرب والمشاركة.
كما حثّت السنة النبوية على الاجتماع وصلة الناس، فقال النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وهو تشبيه يعكس ضرورة التلاحم الواقعي لا الافتراضي.
وفي ظل هذا التحول، بات كثيرون يشعرون بالوحدة حتى وهم بين الناس، لأن العلاقات فقدت عمقها، وحلت السرعة محل المعنى، والمشاهدة محل المشاركة.
الوحدة الحديثة ليست نقصًا في عدد المعارف، بل نقصًا في الصدق الإنساني، وفي المساحة التي يُسمح فيها للمشاعر أن تُقال وتُفهم.
إن علاج هذه المفارقة لا يكون بمزيد من الاتصال، بل بإعادة تعريفه. أن نُعيد الاعتبار للجلوس معًا، وللكلمة الصادقة، وللوقت المشترك الذي لا تُقاطعه الإشعارات.
فالقرب الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين،
ولا بسرعة الإنترنت، بل بقدرتنا على أن نكون حاضرين بقلوبنا قبل أجهزتنا.
حينها فقط، يتحول الاتصال إلى حياة، وتستعيد العلاقات معناها الإنساني العميق.
