بقلم : أحمد رشدى
نعيش كثيرًا من أعمارنا مؤجَّلة، لا لأن الزمن ضيّق أو الفرص نادرة، بل لأننا اعتدنا تأجيل الحياة ذاتها. نؤجّل الفرح حتى يتحسن الدخل، ونؤجّل الراحة حتى تنتهي المسؤوليات،
ونؤجّل الأحلام حتى “يحين الوقت المناسب”، وكأن العمر مخزن كبير نفتح أبوابه متى نشاء، غير منتبهين إلى أن الزمن لا ينتظر أحدًا،
وأن ما نؤجّله اليوم قد لا يُتاح لنا غدًا.
علم النفس يصف هذه الحالة بـ التسويف الوجودي، وهو أخطر من تسويف المهام؛ لأنه لا يؤجل عملًا بل يؤجل المعنى ذاته.
الإنسان هنا يعيش في حالة انتظار دائم: ينتظر الاستقرار قبل أن يفرح، وينتظر التقاعد قبل أن يرتاح، وينتظر الغد ليكون نفسه.

وتشير الدراسات إلى أن هذا النمط من الحياة يولّد شعورًا خفيًا بالإحباط والفراغ، حتى لو بدا الإنسان ناجحًا في نظر الآخرين، لأن النفس لا تُغذّى بالانتظار بل بالفعل.
أما اجتماعيًا، فقد ساهمت ضغوط الحياة الحديثة في ترسيخ هذا التأجيل؛ إيقاع سريع، متطلبات لا تنتهي، مقارنات مستمرة، وخوف دائم من الفشل. فصرنا نؤجل السفر، ونؤجل الجلسات العائلية، ونؤجل العناية بالصحة، ونؤجل حتى التعبير عن مشاعرنا، وكأننا نعيش “نسخة تجريبية” من الحياة، نعد أنفسنا بالنسخة الكاملة لاحقًا.
الدين بدوره يلفت انتباه الإنسان إلى خطورة هذا التأجيل؛ فالقرآن الكريم يذكّرنا بأن العمر رأس مال لا يُستعاد: «فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون».
وفي السنة النبوية دعوة صريحة إلى اغتنام اللحظة: «اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك…»، وهي رسالة واضحة بأن الحياة ليست وعدًا مؤجلًا، بل أمانة تُعاش الآن.
العلماء والمفكرون أجمعوا على أن أخطر ما يضيّع الإنسان ليس الفشل، بل تأجيل المحاولة. فالحياة لا تُقاس بطولها، بل بعمقها وكثافة حضورنا فيها.
فقد يعيش المرء ستين عامًا، لكنه حاضر فيها عشرين فقط، أما البقية فكانت انتظارًا وترقبًا وخوفًا من الخطوة الأولى.

إن أعمارنا المؤجّلة لا تحتاج إلى معجزة لتُستعاد، بل إلى شجاعة صغيرة أن نعيش الآن، أن نحب الآن، أن نبدأ الآن، وأن ندرك أن “الوقت المناسب” في كثير من الأحيان ليس سوى وهم نختبئ خلفه.
فالحياة التي لا تُعاش في حينها، لا تُعاش أبدًا، والعمر الذي نؤجّله اليوم، قد يصبح غدًا ذكرى لم نمنحها حقها.
