بقلم… أحمد رشدي
لم أعد أحتمل نظراتهم… تلك العيون التي تترصدني في كل مكان كأنها كاميرات خفية وُضعت خصيصاً لتوثّق كل خطوة أخطوها
في البداية ظننتها مصادفة عابرة، ثم تكررت، حتى صارت كأنها قانون لا يرحم، قانون اسمه: كلهم ضدي
في ذلك الصباح حين دخلت المقهى المعتاد، وجدت النادل يبتسم لي ابتسامة مريبة، لم تكن ودّاً بل سخرية خبيثة تخفي شيئاً، وحين جلست، شعرت أن الطاولة المجاورة تتحدث عني همساً، كأنهم يعرفون ما لا يجب أن يُعرفه أحد ، نهضت مغادراً، وقلبي يخفق بشدة، أراقب المارة بعينين متوجستين، الكل يلتفت نحوي، الكل يبتسم بخبث، الكل يهمس باسمي
في المكتب لم يكن الوضع أفضل، زميلي محمود صار يتهامس مع المدير،
يرمقاني بنظرات جانبية، وحين أسأله:
ـ أهناك شيء؟
يهزّ رأسه مبتسماً بتكلف ويقول: لا أبداً، كل شيء بخير
لكنني كنت أرى في عينيه مؤامرة كاملة، مؤامرة محبوكة بخيوط دقيقة لا تُرى
عدت إلى بيتي مضطرباً، وجدت الباب مفتوحاً قليلاً، رغم أنني أتأكد من إغلاقه كل مرة، دخلت بحذر، الغرفة كما هي، لكن شعوراً غامضاً همس لي أن أحدهم كان هنا،
عبث بأوراقي،
قرأ رسائلي،
وربما زرع شيئاً ما
بحثت في كل زاوية، حتى وجدت تلك النقطة الحمراء الصغيرة على الجدار، صغيرة جداً لكنها تلمع بخبث كعين إلكترونية
صرخت: كاميرا!
انتزعتها بيدي المرتجفتين، وألقيتها أرضاً، ثم جلست أتنفس بعنف، أحاول استيعاب أنني مراقَب، مراقَب في بيتي
منذ تلك اللحظة تغير كل شيء
كل سيارة تقف أمام بيتي هي سيارة تجسس
كل اتصال صامت هو محاولة تتبع
كل وجه أراه في الشارع يحمل ملامح مألوفة كأنهم جميعاً نسخة واحدة من العدو نفسه
لياليّ صارت بلا نوم،
أتحسس الجدران،
أراقب النوافذ،
أفتش تحت السرير،
أستمع للهمسات القادمة من العدم، وأتأكد في كل مرة أن هناك من يراقبني حتى وأنا أتنفس
كتبت مذكراتي في دفتر صغير أخفيه تحت البلاط، لأنهم لو وجدوه سيعرفون أنني اكتشفت لعبتهم
أنا لست مجنوناً، أنا فقط المستهدف الوحيد في هذا العالم
وفي صباح يوم غائم،
قررت أن أواجه الحقيقة،
أن أذهب إلى الشرطة، وأخبرهم بكل شيء
دخلت القسم بخطوات مرتجفة، وبدأت أشرح لهم المؤامرة: كيف يراقبونني، كيف يتعقبون أفكاري، كيف زرعوا الكاميرات في بيتي
ابتسم الضابط وقال بهدوء غريب:
ـ لا تقلق يا أستاذ ماجد ، سنهتم بالأمر
ثم أشار إلى أحد العساكر وقال: خذه إلى القسم الآخر
لم أفهم، لكني مشيت معه، عبرنا باباً حديدياً، ثم ممرّاً طويلاً برائحة معقّمة
دخلت غرفة بيضاء تماماً، فيها رجل يرتدي معطفاً طبياً، جلس أمامي مبتسماً وقال:
ـ منذ متى تشعر أن الناس يراقبونك؟
لم أجب،
حدّقت فيه طويلاً، ثم أدركت الحقيقة المرعبة
حتى هذا الطبيب معهم
إنهم جميعاً في نفس اللعبة
حاولت النهوض،
لكن يداً باردة أمسكت بي،
ثم غابت الدنيا في ضباب أبيض
بعد أسبوعين، جلس الطبيب نفسه يسجّل ملاحظاته في الملف
كتب بخط هادئ:
“المريض يعاني من اضطراب البارانويا الحاد، يعتقد أن الجميع يتآمرون عليه، تظهر عليه نوبات خوف وهذيان، يحتاج إلى متابعة دائمة”
ثم أغلق الملف ووضعه على المكتب، وقال لنفسه وهو يبتسم بأسى:
ـ كم هو مرعب أن يصبح عقلك
… هو عدوك الحقيقي
النهاية
