كتبت/نجده محمد رضا
في الوقت الذي تُسلّط فيه الدراسات الضوء على أضرار التدخين على الرئتين والقلب، يغيب عن الكثيرين تأثير هذا السمّ البطيء على جمجمة الرأس، التي تُعدّ إحدى أكثر مناطق الجسم حساسية وتعقيدًا. فالتدخين لا يقتصر على تدمير الأنسجة الرئوية، بل يمتد أثره إلى العظام التي تحمي الدماغ وتشكّل ملامح الوجه.
أثبتت الأبحاث الطبية الحديثة أنّ المواد الكيميائية السامة الموجودة في السجائر – وأبرزها النيكوتين وأول أكسيد الكربون – تُحدث اضطرابًا في الدورة الدموية الدقيقة المسؤولة عن تغذية خلايا العظام في الرأس. ومع مرور الوقت، يؤدي ذلك إلى ضعف في كثافة العظام، خصوصًا في الفكّين والعظام المحيطة بالفم والأنف والعينين.
ويؤكد الأطباء أنّ المدخنين أكثر عرضة للإصابة بتآكل عظام الفك وفقدان الأسنان نتيجة لانخفاض تدفّق الدم إلى هذه المناطق. كما أظهرت صور الأشعة أنّ جمجمة المدخن تبدو أكثر هشاشة، وتظهر عليها علامات تآكل دقيقة بسبب نقص الكالسيوم وتلف الخلايا العظمية.
ولا تتوقف التأثيرات عند هذا الحد، إذ يؤثر التدخين أيضًا على تجديد أنسجة الرأس بعد الإصابات أو العمليات الجراحية، حيث يتأخر التئام الجروح العظمية بشكل ملحوظ. وقد أشارت تقارير طبية إلى أنّ المدخنين يحتاجون فترة تعافٍ أطول بمعدل 40% مقارنة بغير المدخنين عند إجراء جراحات الوجه أو الجمجمة.
أما على مستوى المظهر الخارجي، فإنّ ضعف الدورة الدموية في العظام والأنسجة المحيطة يؤدي إلى تغيّر شكل الوجه تدريجيًا، فيظهر شحوب الجلد وانكماش الخدّين، كما يفقد الوجه امتلاءه الطبيعي، مما يمنح المدخن مظهرًا أكبر من عمره الحقيقي.
التدخين لا يترك أثره فقط في رئتي الإنسان أو على شفتيه، بل يعبث بهيكل رأسه الذي يضمّ أهم أعضاء الحياة: الدماغ والعينين والفم. إنه هجوم صامت يبدأ بدخانٍ صغير وينتهي بجمجمةٍ منهكة وعظامٍ متآكلة. ولعلّ التوقف عن التدخين ليس مجرد خيارٍ صحي، بل هو استعادةٌ لبنية الرأس التي تحفظ هوية الإنسان وملامحه وكرامته الجسدية.
