بقلم د. نبيل سامح
المقدمة
يمثّل فقدان سجل من السجلات البتروفيزيائية أحد أكثر التحديات شيوعاً خلال مراحل تقييم التكوينات الجيولوجية. يحدث ذلك بسبب أعطال المعدات، مشاكل في عمليات التسجيل، صعوبات في الظروف البئرية، أو القيود التشغيلية. وقد كان الحل التقليدي يعتمد سابقاً على أساليب الاستيفاء الإحصائي، أو إعادة التسجيل، أو الاعتماد على السجلات المتاحة بطرق تقديرية. إلا أنّ هذه الأساليب غالباً ما تكون محدودة في قدرتها على تمثيل الخصائص الحقيقية للتكوين.
مع التطور الكبير في الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق، أصبح بالإمكان استخدام نماذج قادرة على توليد سجلات اصطناعية Synthetic Logs عالية الدقة بحيث تُستخدم كبديل فعّال للسجلات المفقودة. تقدم هذه النماذج حلاً عصرياً يعتمد على فهم العلاقات المعقدة بين السجلات المتوفرة وإعادة بناء الخصائص الجيوفيزيائية المفقودة بدقة تفوق الطرق التقليدية.
أولاً: مفهوم السجلات الاصطناعية وتطوّرها
السجلات الاصطناعية الناتجة من خوارزميات الذكاء الاصطناعي ليست مجرد قيم تقديرية؛ بل هي مخرجات تعلمت الأنماط الحقيقية التي تربط بين الخصائص الجيولوجية والصخور والسوائل داخل الخزان. يعتمد هذا النوع من النماذج على كميات ضخمة من البيانات السابقة، ثم يعكس تلك المعرفة في إعادة بناء السجل المفقود بطريقة تتناسب مع نمط البئر المدروس.
تطورت هذه السجلات من مجرد نماذج انحدار بسيطة إلى شبكات عصبية عميقة تستطيع تفسير العلاقات غير الخطية، ودمج معلومات من آبار مجاورة، بل والوصول إلى تمثيل جيولوجي متناسق بين الطبقات.
ثانياً: الأسباب التي تؤدي إلى فقدان السجلات البتروفيزيائية
هناك العديد من العوامل التشغيلية والفنية التي تسبب فجوات في بيانات السجل، أهمها:
• انقطاع تكهين السكة Logging Tool Failure أثناء التسجيل.
• مشاكل في استقرار البئر مثل الانهيارات أو تواجد غاز.
• تقييدات زمنية أو مالية تمنع التسجيل الكامل.
• انجراف أو انزلاق أداة التسجيل مما ينتج عنه تسجيل غير مكتمل.
• الضوضاء العالية التي تقلل من جودة السجل وتجعله غير صالح للتحليل.
وجود أي من هذه المشاكل يؤدي إلى فجوات في بيانات السجل قد تؤثر على تفسير المسامية، التشبع، الليثولوجيا، والخصائص الهيدروديناميكية.
ثالثاً: دور الذكاء الاصطناعي في معالجة البيانات المفقودة
الذكاء الاصطناعي يمكّن الباحث من الوصول إلى مستوى أعلى من الدقة من خلال القدرة على:
• التعرف على الأنماط غير الخطية بين السجلات المختلفة مثل GR، NPHI، RHOB، DT.
• التنبؤ بالسجل المفقود بناءً على البيانات المتاحة، بطريقة تتماشى مع الاتجاه الجيولوجي العام للبئر.
• المواءمة بين طبقات البئر لتحقيق انسجام عمودي بين الخصائص.
• تقليل نسبة عدم اليقين الناتجة عن الفجوات.
• إنشاء نماذج قابلة للتعميم تُستخدم في آبار أخرى ذات ظروف مشابهة.
تتميز خوارزميات الذكاء الاصطناعي بأنها قادرة على التعلم من كمية كبيرة من البيانات الميدانية، مما يجعل السجل الاصطناعي أقرب إلى السجل الحقيقي من أي طريقة استيفاء تقليدية.
رابعاً: التقنيات المستخدمة في توليد السجلات الاصطناعية
تتنوّع تقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في هذا المجال، وأهمها:
1. الشبكات العصبية العميقة (Deep Neural Networks)
تعمل على تحليل العلاقات المعقدة بين السجلات، وتستخدم معماريات متعددة الطبقات لاكتشاف الارتباطات الخفية بين المتغيرات.
2. الشبكات الالتفافية (Convolutional Neural Networks)
تتميز بقدرتها على قراءة السجلات كمصفوفات زمنية/عمقية، مما يجعلها فعّالة في التعرف على الأنماط داخل الطبقات.
3. الشبكات التكرارية (RNN و LSTM)
تُستخدم لمعالجة البيانات التي تمتد عبر العمق، حيث تستطيع التقاط العلاقات المتسلسلة بين القراءات.
4. نماذج التوليد (Generative Models)
مثل GANs، والتي تستطيع إنتاج سجلات صناعية ذات جودة عالية عبر التعلم التوليدي.
5. تقنيات تعزيز البيانات (Data Augmentation)
تساعد في تحسين النموذج وزيادة قدرته على التعميم، خصوصاً عند محدودية بيانات التدريب.
خامساً: فوائد السجلات الاصطناعية في العمليات البتروفيزيائية
ظهرت فوائد كبيرة تهدف إلى رفع جودة التفسير وتقليل عدم اليقين، منها:
• تحسين دقة التفسير البتروفيزيائي من خلال تجنب الاعتماد على سجلات ناقصة.
• توفير الوقت والتكلفة مقارنة بإعادة التسجيل في البئر.
• رفع كفاءة نماذج المحاكاة التي تعتمد على بيانات كاملة.
• تحسين توقع الخصائص الخزنية مثل المسامية، التشبع، والنفاذية.
• دعم الدراسات الجيوفيزيائية وعمليات تصنيف الصخور والليثولوجيا.
• تحسين موثوقية نماذج ML الأخرى التي تعتمد على بيانات مكتملة.
سادساً: التحديات المحتملة في استخدام السجلات الاصطناعية
رغم الفوائد الكبيرة، إلا أن هناك مجموعة من التحديات التي يجب التعامل معها، ومنها:
• جودة بيانات التدريب؛ كلما كانت البيانات أفضل، كانت النتائج أدق.
• التنوع الليثولوجي الذي قد يجعل النموذج غير قادر على التعميم إن لم يتم تدريبه جيداً.
• الاعتماد المفرط على النموذج دون مراجعة جيولوجية قد يؤدي إلى سوء تفسير.
• الحاجة المستمرة للتحقق من النتيجة عبر خبرات بتروفيزيائية.
• تباين السلوك البئري بين المناطق مما يتطلب ضبط النموذج باستمرار.
سابعاً: مستقبل السجلات الاصطناعية في الصناعة النفطية
من المتوقع أن يتوسع استخدام هذه التقنية في السنوات المقبلة، لتصبح جزءاً أساسياً من:
• عمليات تقييم التكوين Formation Evaluation
• الدراسات الإقليمية متعددة الآبار
• تصميم برامج التسجيل Logging Programs
• نظم مراقبة الجودة الآلية للبيانات
• النماذج الرقمية المتقدمة للخزانات
كما ستلعب دوراً مهماً في دعم التحول الرقمي في قطاع الطاقة، وتعزيز سرعة ودقة القرارات التشغيلية.
الخاتمة
يمثّل استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد السجلات الاصطناعية خطوة متقدمة في مواجهة تحديات البيانات المفقودة في الآبار. فهو يقدم نموذجاً تفسيرياً متطوراً يعتمد على العلاقات المعقدة بين السجلات، ويضمن دقة أعلى من الطرق التقليدية. كما يوفر الوقت والموارد، ويعزز موثوقية التفسير البتروفيزيائي. ومع استمرار تطور تقنيات التعلم العميق والنماذج التوليدية، سيصبح هذا النهج جزءاً أساسياً من مستقبل تقييم الخزانات وتفسير السجلات في الصناعة البترولية.
بقلم د. نبيل سامح
مدير تطوير الأعمال بشركة نيلكو
مدرب بترولي دولي مُعتمد
أستاذ بعدّة شركات وأكاديميات استشارية للتدريب (إنفيرو أويل – زاد – ديب هورايزون)
محاضر بجامعات داخل مصر وخارجها
مُساهم في كتابة مقالات لمجلتي Petrocraft وPetrotoday
