بقلم : أحمد رشدي
يمضي الإنسان في دروب الحياة باحثًا عن معنى، ساعيًا إلى راحةٍ تطمئن لها نفسه،
ولكن يبقى أعظم ما يبلغه القلب من الطمأنينة هو شعوره بأنه كان سببًا في تضميد جرح، أو لملمة قلب، أو رفع همّ عن روح أثقلها الألم. هنا يولد معنى جبر الخواطر، هذا الخلق الرفيع الذي يجمع بين الرحمة الإنسانية والنور الإلهي، فيحوّل لحظة عطائك إلى باب من أبواب القرب من الله.
جبر الخاطر عبادة لا تُرى، لكنه أثرها يتردد في السماء، وهو من الأعمال التي لا تحتاج جهدًا كبيرًا، بل تحتاج قلبًا يفهم معنى الإنسان، ويستشعر حاجته إلى كلمة، أو ابتسامة، أو دعم صادق. وقد يتنازل المرء عن جزء من راحته أو وقته أو ماله أو حتى بعض من طباعه الصلبة، فقط ليمنح غيره شعورًا بالأمان أو الرفق أو الاحتواء. وهذا التنازل ليس ضعفًا كما يظنه البعض، بل هو قوة قلب لا يملكها إلا من عرف معنى الرحمة.
ومن عظمة هذا الخلق أن الله تعالى نفسه سمّى من أسمائه الحسنى الجبار. وللوهلة الأولى يظن الناس أن الجبار هو المنتقم القوي، لكن العلماء يوضحون أن من معاني اسمه الجبار أنه الذي يجبر الكسر ويُصلح الضعف ويُرمم الروح المنكسرة.
قال الإمام القرطبي إن الجبار من أسماء اللطف والرحمة، لأنه يجبر المنكسرين بفضله، ويرفع المظلومين بحكمته، ويُعيد للقلوب كسوتها بعد التمزق. فمن أراد أن يكون قريبًا من رحمة الله فليجبر القلوب، فإن الله يحب من عبده أن يتخلق بصفاته في الرحمة واللطف دون الادعاء أو العلو.
وقد دلّ القرآن على هذا المعنى في مواضع كثيرة، إذ قال تعالى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ وهذا وعدٌ إلهي بأن كل كسر مهما اشتد فإن له جبرًا، وأن وراء كل ضيق فرجًا، وكل ألم رحمة. وفي السنة النبوية جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم “من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة” وهذا الحديث يضع جبر الخاطر في مقام رفيع، فهو ليس مجرد دعم عابر، بل هو عمل تمتد آثاره إلى يوم الحاجة الأعظم.
ويرى علماء النفس أن الإنسان بطبيعته كائن عاطفي يتأثر باللطف أكثر مما يتأثر بالقوة، وأن الكلمة الطيبة قادرة على إعادة التوازن النفسي للشخص المنهار أو المجروح،
حتى قال بعضهم إن جبر الخاطر في لحظة الانكسار قد يغيّر مسار حياة كاملة. ويشير خبراء السلوك الإنساني إلى أن أبسط صور اللطف قد تعيد للأشخاص إحساسهم بقيمتهم، وتخفف من وقع الخسارة أو الألم، وتعيد لهم القدرة على مواجهة الحياة بثبات أكبر.
إن جبر الخواطر ليس صدقة فقط، ولا معروفًا عابرًا، بل هو صورة من صور الاستقامة، لأنه يعكس نقاء القلب، وسمو النفس، ووعي الإنسان بأن في الحياة قلوبًا تستحق أن تُعامل برفق. فمن جبر خاطرًا جبر الله خاطره، ومن أعطى راحةً لغيره رد الله عليه من الطمأنينة أضعافها.
استقيموا يرحمكم الله، فإن من أعظم دلائل الاستقامة أن تسعى لرفع الألم عن غيرك،
وأن تكون يدًا تُرَمِّم لا يدًا تُكسِر، وأن تجعل من حضورك رحمة تمشي على الأرض،
فرب دعوة صادقة خرجت من قلب مكسور جبرته أنت، كانت سببًا في فتح أبواب الخير لك في الدنيا والآخرة.
