حسن حماد : لن تتحرر المرأة قبل أن يتحرر الرجل.
–ترامب يؤمن بالبقاء للأقوى ولا مكان للضعفاء والأغبياء في هذا العالم والقيم الإنسانية وهم سياسي.
–الحرية وعي بالقيود ..والدين والفلسفة طريقان لا يلتقيان.
حوار أجرته : رانيا ضيف
من المملكة العربية السعودية

الأستاذ الدكتور حسن حماد مفكر وفيلسوف مصري بارز، أستاذ الفلسفة المعاصرة وعلم الجمال،والعميد الأسبق لكلية الآداب بجامعة الزقازيق، وأستاذ كرسي الفلسفة لليونسكو. ارتبط اسمه بالدفاع عن العقل النقدي والانحياز لقضايا الإنسان، جمع بين نبل إنساني لافت يفيض بالسلام وبين عقل نقدي متقد بالأسئلة ومشتبك مع قضايا الواقع دون مواربة.
اشتغل حمّاد على تفكيك البُنى العميقة التي تشكّل العقل الجمعي العربي، كما انفتح على قضايا الهوية والاغتراب والعبث والحرية والفن، بوصفها أسئلة مركزية في التجربة الإنسانية.
في هذا الحوار، نقترب من رؤيته للفلسفة في زمن الاضطراب، وحدود المعرفة، وإشكاليات الوعي المعاصر.
١–شهد التراث الإسلامي تباينًا بين الفلسفة والدين، وكان هذا التباين نزاعًا معرفيًا نتيجة محددات دينية وسياسية. فهل اختلفت صورة العلاقة بين الفلسفة والدين في الوقت الحالي؟!
لم تختلف قصة الصراع بين الدين والفلسفة في عصرنا الحالي عن الأزمنة الماضية.
لعدة أسباب منها ما يعود لبنية التفكير الديني، وبنية التفكير الفلسفي، التفكير الديني يقوم على سلطة النص المقدس ويتأسس على المسلمات التي تكون فى معظمها غيبيات ومعجزات وأساطير ينبغي على المؤمن أن يسلم بها تسليمًا بصرف النظر عن موافقتها للعقل والمنطق والواقع أو عدم موافقتها . الإيمان الديني مسألة وجدانية قوامها الموروث السائد والمألوف.
أما التفكير الفلسفي فيقوم على سلطة العقل ويتأسس على البرهان العقلي وعلى الوقائع المادية، ولذلك لا يتعارض التفكير الفلسفي إطلاقًا مع العلم، وهو مقدمة ضرورية للتفكير العلمي، لأن العلم نشأ في أحضان الفلسفة، وكانت الفلسفة أمًا لكل العلوم، وإذا كان الدين جوهره الإيمان القائم على التسليم والوجدان فإن الفلسفة جوهرها الشك في كل شئ، فالشك هو جزء من بنية التفكير الفلسفي، ولذلك يقول نيتشه ما معناه: أن الإيمان هو الذي يقتل لا الشك، وهذا معناه أن الإيمان بحقيقة مطلقة يؤدى بالإنسان إلى التعصب، لأن المطلق واحد ولا يتعدد، وعندما نؤمن بأن ما نعتقد فيه هو الحقيقة المطلقة، لذلك تصبح كل المطلقات الأخرى باطلة وضالة وفاسدة، وهذا ما يخلق التعصب والإقصاء للآخر المختلف ، ويؤدى في النهاية إلى النزعات التكفيرية والإرهابية ، لأن الإرهاب يبدأ في الرأس عندما يؤمن بعض الناس بأنهم قد امتلكوا حقيقة مطلقة وأنهم الأقرب إلى الله، أو بكلمة واحدة أنهم الفرقة الناجية، و من ثم ستكون كل الفرق والمِلل الأخرى هى الهالكة. نخلص من هذا أنه لا التقاء بين الدين وبين الفلسفة ، لأن الطريق مختلف والمنهج متناقض وبنية التفكير متعارضة ومغايرة.

٢–مصطلحا “الحرية” و”الحقيقة” فضفاضان ويصعب تحديدهما بدقة في السياق العربي. فكيفيعرفهما حسن حماد؟
–الحرية من أعقد المشكلات الفلسفية وأحيل القراء إلى كتاب الدكتور زكريا إبراهيم “مشكلة الحرية” وهو من أمتع وأروع ما قرأت في هذه المشكلة، وأنا من المهمومين بإشكالية الحرية وأرى أن تاريخ الإنسانية هو تاريخ الهروب من الحرية.
لأن الحرية تلك الكلمة البراقة التي تخفق لها القلوب تصبح أحيانا شيئًا مخيفًا، لأن الحرية ترتبط بالاختياروالاختيار يرتبط بالمسئولية، ولذلك يهرب معظم الناس من ممارسة فعل الاختيار ويفضلون أن يقوم الآخرو ن بهذا القرار : الآباء، الأمهات، رجال الدين، أصحاب السلطان .. إلخ. ويبدو أن هذا ما جعل فيلسوفًا وجوديًا مثل كيركجارد يشبه حرية الاختيار بأنها مثل القفزة في الظلام.
الاختيار مقامرة ومغامرة.
دائما يكون الاختيار مقامرة ومغامرة غير محسوبة العواقب، لذلك يفضل الناس العبودية عن الحرية، لأن العبودية تعفيهم من هَم الحرية ومن رعب الاختيار. معظم الناس تذعن للأفكار والتقاليد السائدة والموروثة وتمتثل لسلطة الرأي العام والقطيع ، وتساير مقولات ومسلمات العقل الجمعي، إن ما يتمتع به الكائن البشري من الحرية أمر قليل جدًا. وأهم أنواع الحرية في رأيي تبدأ من حرية التفكير دون وصاية ودون خوف ودون تردد، ولاشك أن الفضاء العمومى والسياق الذي يحيا فيه الإنسان شديد التأثير في تشكيل قدرة الإنسان على التحرر ، فالناس تعتاد الحرية مثلما تعتاد العبودية، فالذى يعيش في المجتمعات القبائلية والريفية المغلقة لن يكون قادرًا على الحرية وعلى ممارسة التحرر، والإنسان الأوروبي الذي ولد في مجتمع متحرر ومنفتح ويقدس الفرد، بالتأكيد سيكون أكثر قدرة على ممارسة الحرية واحترام حريته وحرية الآخرين، ولذلك نجد بعض المهاجرين من العرب والمسلمين الذين يذهبون إلى أوروبا يحتفظون بعاداتهم وأفكارهم التي نشأوا عليها، وغالبًا ما يكونون عنصر هدم وتقويض لهذه المجتمعات. وأنا أقدم تعريفًا بسيطًا للحرية. الحرية عندي هي الوعي بالقيود. معظم العبيد لا يستشعرون بوطأه قيودهم، ويرون أنها أمرًا طبيعيًا وليس مرفوضًا أو مستهجنًا. أما الحقيقة كما أراهاهي ما يعذب الإنسان، لأننا جميعًا نبحث عن الحقيقة ونريد أن نفك ألغاز هذا الوجود المستغلق الذي يشبه المتاهة، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالأسئلة الكبرى؛ لماذا جئنا الحياة، وإلى أين نمضي، وماذا يحدث بعد الموت؟ على أي حال، لا يوجد حقيقة واحدة أو حقيقة ثانية أو مطلقة، كل الحقائق نسبية ومتغيرة وجزئية، وإذا تأملنا في هذا الكون العظيم الذي لا يمثل فيه كوكب الأرض شيئًا يذكر، سنشعر بمدى هشاشة وتفاهة وضحالة وتواضع ما نظن أنه الحقيقة . إن الوهم هو كلمة السر في وجودنا في هذا العالم ، ولكننا دائما ما نمارس لعبة الهروب والخداع والمرواغة في مواجهة ما نسميه مجازًا بالحقيقة.
٣–في ضوء القيود الثقافية والدينية والسياسية التي تحد من حرية التساؤل، كيف يتصور الدكتور حسنحماد مستقبل الفلسفة في الوطن العربي؟
–مستقبل الفلسفة في عالمنا العربى لا يشي بأي أمل، لأن السلطات الدينية والسياسية تكره العقل وتمقت الأسئلة وتجرم الشك وتنظر إليه على أنه طعن في الثوابت وجريمة يعاقب عليها القانون، لدينا قانون يدعى “ازدراء الأديان” . هذا القانون بمثابة فزاعة ضد كل من يقوم بالمساس بالمقدسات، حتى لوكان على سبيل الاجتهاد، والمقدسات لا تقتصر لدينا على الذات الإلهية والرسل والكتب المقدسة، ولكنها تمتد حتى للشخصيات والرموز الدينية المعاصرة.
إن الفلسفة لا يمكن أن تزدهر في مناخ يسوده الخوف وتختفي منه الحرية، ويصبح فيه مبدأ السمعوالطاعة هو المبدأ الأخلاقي الذي يشكل علاقة الرجل بالمرأة، والأب بالابن، والحاكم بالرعية، والشيخ بالمريد.
٤–تحدثت في كتابك “القمع المقدس” عن القمع المنظم للمرأة ضمن الأطر الدينية والثقافية. ما الوسائل الفكرية التي تراها فعّالة لكسر هذه القيود وتحويل وعي المجتمع تجاه الحرية والمساواة؟
–لن تتحرر المرأة العربية قبل أن يتحرر الرجل العربي. هناك علاقة جدلية بين تحرر الرجال وتحرر النساء في عالمنا العربي، علاقة الرجل العربى بالمرأة هي علاقة السيد بالعبد. الرجل العربي اعتاد أن يكون طاغية. وفي المجتمعات العبودية يكون الشخص الوحيد الحر هو الطاغية أو السيد .
وفي المجتمعات العبودية المتخلفة تعتاد النساء على العبودية والدونية، ويصبح هذا الاعتياد جزءًا من كينونتهن. ولهذا ليس مستغربًا أن تدافع معظم النساء عن وضعهن المتدني وعن عبوديتهن للرجل، لأن المدونة الإسلامية خاصة المرويات والأحاديث والفقه ترسخ في وجدان النساء المسلمات أن طاعة الرجل من طاعة الله، ولذلك لن تتحرر المرأة العربية، خاصة المرأة المسلمة إلا إذا وعت بقيودها،وشعرت يكينونتها كإنسان مساوٍ للرجل، وأدركت أن حريتها هي شرفها ودليل إنسانيتها.
ترامب يصنع أسطورته بالذكاء الاصطناعى.
٥–إذا كان الاستبداد العاري يعني ممارسة القوة بلا غطاء أخلاقي أو قانوني، فهل تمثل سياسات ترامب تجاه فنزويلا وغيرها إعلانًا عن نهاية وهم القيم الإنسانية في العلاقات الدولية؟ أم أننا نشهد فقط مرحلة انتقالية يعاد فيها تعريف القوة والشرعية؟!
–ترامب من أقوى الرؤساء الذين حكموا الولايات المتحدة الأمريكية وهو برجماتي وانتهازی و میکافیلی،يؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة وهو يطبق فلسفة الدارونية الاجتماعية : البقاء للأقوى أما الضعفاء والأغبياء فلا مكان لهم وسط هذا العالم، ولا حق لهم في الوجود، ولا ينبغي أن نعيرهم اهتماما، بل يجب أن نسحقهم مثلما نفعل مع الصراصير. بهذا المنطق يتعامل ترامب مع العرب جميعا، وينظر إليهم بوصفهم شعوبًا متخلفة.
– ترامب يصنع أسطورته متكئاً على العلم والذكاء الاصطناعي والقوة الخارقة والطموح الإمبراطوري القديم، أما سردياتنا نحن فلم تزل
تجتر أساطيرها القديمة ولم تزل تحيا في ظلال المعجزات والأساطير والمسلمات !
إن ترامب أحيانا يبرر خروقاته بأنه جاء لينقذ شعوب العالم التعيس والمتخلف من طغاته، وهذا وهم يتشبث به معظم الطغاة.. أنهم يتقمصون دور المخلص.
. وهنا يثار السؤال : من يمتلك الحق في تغيير العالم ، ومن الذي فوض ترامب لينقذ الإنسانية من شرورها وآثامها؟
هل ما يفعله ترامب يدخل في سياق الشر أم الخير؟ هل الشر مفهوم مطلق أم أنه أمر نسبي، ومن الذي يحدد مشروعية الخير والشر، هل الشر مسألة تافهة طالما يتحدد بحسب المصالح، ومن ثم تصبح العدمية الأخلاقية هي القانون الذي يحكم الغابة البشرية.
إن ظاهرة ترامب هي ظاهرة سياسية ترتبط بالرأسمالية المتوحشة، وترتبط بعالم ما بعد الإمبريالية، ومعذلك فإن ظاهرة ترامب تفجر عشرات الأسئلة الفلسفية المربكة حول مدى مصداقية مشروع الحداثة الغربية ، وحول مستقبل الحضارة الإنسانية ومصير الكائن البشري نفسه.
