بقلم : أحمد رشدي
قبل أن تُرفع ستارة الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، تختار القاهرة أن تستعيد الذاكرة المسرحية العربية في لحظة احتفاء نادرة، عبر برنامج استعادي يُنظَّم بمبادرة من المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، وبالتعاون مع إدارة مهرجان المسرح العربي، وبرعاية وزارة الثقافة المصرية. برنامج لا يكتفي بالتذكير، بل يؤسس لجسر حيّ بين ذاكرة العروض الكبرى وأسئلة المسرح الراهنة.
يحمل البرنامج عنوان «أهلاً بمهرجان المسرح العربي»، ويقدّم للجمهور خمسة تسجيلات مرئية لعروض مسرحية فائزة بجوائز المهرجان في دورات سابقة، بما يشبه بانوراما فنية تكشف عن تنوّع التجارب الجمالية والرؤى الإخراجية في المسرح العربي خلال السنوات الأخيرة. وتحتضن سينما مركز الإبداع الفني بساحة دار الأوبرا المصرية هذه العروض، لتتحول إلى فضاء للعودة إلى لحظات مسرحية فارقة صنعت حضورها في الوعي النقدي والجماهيري.
الانطلاقة تأتي مع مسرحية «صولو»، المستوحاة من رواية «ليلة القدر» للكاتب المغربي الطاهر بن جلون، من تأليف وإخراج محمد الحر، وإنتاج مسرح أكون بالمملكة المغربية، وهي المسرحية التي نالت جائزة مهرجان المسرح العربي عام 2018، وقدّمت نموذجًا مكثفًا لمسرح الممثل الواحد المشحون بالأسئلة الإنسانية والوجودية. ويتواصل البرنامج بعرض تسجيل مسرحية «الطوق والإسورة»، تأليف سامح مهران وإخراج ناصر عبد المنعم، من إنتاج مسرح الطليعة المصري، والحاصلة على جائزة المهرجان عام 2019، والتي مثّلت قراءة مسرحية عميقة لعالم الريف المصري وتحولاته الاجتماعية.
كما يشهد البرنامج عرض مسرحية «رحل النهار»، من تأليف إسماعيل عبد الله وإخراج محمد العامري، وإنتاج مسرح الشارقة الوطني بدولة الإمارات العربية المتحدة، الفائزة بجائزة عام 2023، بما حملته من حس شعري ورؤية إخراجية مشغولة على الذاكرة والزمن. ويُعرض كذلك تسجيل مسرحية «تكنزا… قصة تودة»، من تأليف إسماعيل الوعرابي وأمين ناسور، وإخراج أمين ناسور، وإنتاج مؤسسة أرض الشاون بالمغرب، الحائزة على جائزة عام 2024، والتي اشتغلت على الموروث والأسطورة بلغة مسرحية معاصرة. ويُختتم البرنامج بمسرحية «البخارة»، تأليفًا وإخراجًا لصادق الطرابلسي، ومن إنتاج قطب المسرح بمدينة الثقافة في تونس، الفائزة بجائزة مهرجان المسرح العربي لعام 2025، بما قدّمته من طرح جمالي جريء ومختلف.
لا يقدّم هذا البرنامج الاستعادي عروضًا للحنين فقط، بل يرسّخ فكرة التوثيق الحي لتجارب مسرحية شكّلت علامات فارقة في مسار المسرح العربي، ويمنح الجمهور فرصة نادرة لمشاهدة أعمال حازت أعلى درجات التقدير العربي، في سياق ثقافي تمهيدي يسبق انطلاق المهرجان.
هكذا، تتحول الأيام التي تسبق العاشر من الشهر الجاري إلى مساحة تأمل واستعادة، تمهّد الطريق لدورة جديدة من مهرجان المسرح العربي، تُقام فعالياتها حتى السادس عشر من الشهر نفسه، محمّلة بإرث ثقيل من الإبداع، ومفتوحة في الوقت ذاته على أسئلة المسرح العربي ومستقبله.
