كلمات م / رمضان بهيج
كلمات تلمس وتراً حساساً لدى الكثيرين، فهي تعبر عن صراع أزلي بين نقاء السريرة وقسوة الواقع. كلماتى تتناول هذه المعاني بعمق، للتحول من “الطيبة الساذجة” إلى “الطيبة الواعية”.
بين نقاء القلب وصفعة الواقع: حين تصبح الطيبة عبئاً
كثيراً ما ننشأ على مقولة “عامل الناس كما تحب أن يعاملوك”، فنسير في الحياة بقلوب مفتوحة ونوايا بيضاء، نظن أن الصدق معدٍ وأن اللطف درع يحمينا من الأذى. لكن، كما عبرت ؛ يصطدم هذا النقاء بواقع يسيء فهم الصمت ويستغل التسامح، مما يولد شعوراً مريراً بالتعسف والخذلان.
فخ المثالية المنتظرة
المشكلة ليست في “الطيبة” كقيمة إنسانية، بل في سقف التوقعات الذي نبنيه حولها. نحن نعطي لأننا كرماء، لكننا نتألم لأننا انتظرنا التقدير ممن لا يشعر، أو الوفاء ممن لا يملكه. الحقيقة القاسية هي أن طيبة قلبك لا تضمن لك معاملة بالمثل، فهي تعبر عن معدنك أنت، لا عن أخلاق الآخرين.
الصمت ارتقاء.. وليس ضعفاً
يخطئ الكثيرون حين يفسرون صمت الطيب على أنه عجز. الصمت في وجه الإساءة هو في الحقيقة أقصى درجات القوة النفسية؛ فهو يعني أنك ترفض الانحدار إلى مستويات لا تشبهك. إن إزاحة الخبث بالسكوت هي عملية “ترفع” تهدف للحفاظ على سلامة الروح من التلوث بالضغينة، لكنها تحتاج إلى “وعي” لكي لا تتحول إلى وسيلة يستمر من خلالها الآخرون في التجاوز.
الطيبة الواعية: الدرس المستفاد
التحول الذي ذكرتة —من شخص يعطي بلا حدود إلى شخص يعرف متى يرحل— هو ما نسميه النضج العاطفي. هذا لا يعني أن تتخلى عن أصلك الطيب، أو أن تصبح خائناً أو ظالماً، بل يعني:
وضع الحدود: أن تدرك أن “لا” هي كلمة مقدسة أحياناً لحماية نفسك.
الانتقائية في العطاء: أن تضع قلبك ومجهودك في الأماكن التي تستحق، ومع الأشخاص الذين يقدرون قيمة الجسور التي تبنيها.
الرحيل الصامت: أن تملك الشجاعة لمغادرة أي علاقة أو مكان يستنزف نقاءك دون تقدير.
ورسالتى: عتاب الأنقياء
”إلى من كان لهم في القلب متسع..
أكتب إليكم لا لأطلب وصلاً فُقد، ولا لأستجدي تقديراً تأخر، بل لأضع النقاط على حروف كانت وما زالت صامتة احتراماً لذاتي قبل كل شيء.
لقد كنت معكم بتلك العفوية التي لا تعرف الالتواء، وبنقاء النية الذي ظنه البعض ضعفاً، وبالصبر الذي فُسر خطأً على أنه غباء. عاملتكم بما في قلبي، لا بما تستحقونه أحياناً، وبنيت معكم جسوراً من الود كنت أظنها ستعبر بنا نحو الوفاء، لكنكم عبرتموها ولم تلتفتوا خلفكم، وكأن العطاء حق مكتسب، وكأن الوفاء اختيار.
وليس واجباً.
عتابي ليس على ما قدمت، فأنا لا أندم على كرمٍ كان أصلي، ولكن عتابي على “الثقة” التي وضعتها في غير محلها، وعلى “الأبواب” التي شرعتها لمن لم يحترم حرمة البيوت والقلوب.
اليوم، أنا لا أتغير لأسوء، ولا أحمل ضغينة ترهق روحي، لكنني تعلمت أخيراً أن الطيبة بلا حدود هي دعوة مفتوحة للاستغلال. لذا، قررت أن أرحل بصمتٍ يليق بي، وأن أحفظ ما تبقى من قلبي لمن يدرك أن الصمت ارتقاء، وأن العفو مقدرة، وأن من لا يضع لنفسه حداً.. يداس.
وداعاً بسلام، فما عدت أنا ذلك الذي كان، وما عادت طيبتي جسراً يعبره العابرون دون أثر.”
ولذلك :-
أنا أزال طيباً، لكنى اليوم أقوى. فالمؤمن بالكرم لا يندم على ما قدم، لكنه يتعلم ألا يكرر العطاء لمن استمرأ الأخذ دون رد الجميل. طيبتى هي نور، فلا أطفائها بسبب عتمة الآخرين، بل اجعلها منارة تضيء لمن يستحق، وسوراً يحمينى ممن لا يدرك قيمتى.
”أنا طيب.. لكنني اليوم أعرف أين أضع قلبي.” هذه ليست جملة انكسار، بل هي إعلان انتصار للذات.
