بقلم : جمال حشاد
يُعدّ فيلم «واإسلاماه» (1961) من أبرز الأفلام التاريخية في السينما العربية، وقد أخرجه أندرو مارتون وجورج واكيم، وهو مقتبس عن رواية الكاتب المصري علي أحمد باكثير التي تحمل العنوان نفسه. يتناول الفيلم مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة الإسلامية، تحديدًا فترة سقوط الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، مسلطًا الضوء على شخصية القائد سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت التي شكّلت نقطة تحول حاسمة في مواجهة الغزو المغولي.
أولًا: الخلفية التاريخية والفكرية:
يعرض الفيلم الأوضاع السياسية المضطربة التي أعقبت وفاة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، حيث ساد الصراع على الحكم، وظهرت حالة من الضعف والانقسام الداخلي. في المقابل، كان الخطر المغولي يهدد العالم الإسلامي بعد اجتياح بغداد وسقوط الخلافة العباسية. في هذا السياق، يبرز قطز بوصفه قائدًا استثنائيًا أدرك أن إنقاذ الأمة لا يكون إلا بتجاوز الخلافات وتوحيد الصفوف، وهو ما يعكس رسالة فكرية عميقة مفادها أن قوة الأمة في وحدتها.
ثانيًا: تحليل الشخصيات:
سيف الدين قطز: يمثل نموذج القائد المؤمن بقضيته، الشجاع، والمتجرد من المصالح الشخصية. يقدمه الفيلم باعتباره رجل مرحلة، ضحّى بنفسه من أجل الدين والأمة، وجسّد معنى القيادة الحقة.
شجرة الدر: تظهر كشخصية سياسية ذكية ذات طموح كبير، تعكس دور المرأة في الحكم آنذاك، لكنها في الوقت نفسه ترمز إلى الصراعات الداخلية التي أضعفت الدولة.
الظاهر بيبرس: يجسد روح الفروسية والطموح العسكري، ويمثل الامتداد الطبيعي لمشروع قطز بعد استشهاده.
ثالثًا: البناء الدرامي:
اعتمد الفيلم على تصاعد درامي متوازن، بدأ بعرض حالة الانهيار السياسي، ثم انتقل إلى مرحلة الإعداد النفسي والعسكري للمواجهة، وصولًا إلى الذروة في معركة عين جالوت. وقد نجح السيناريو في المزج بين الأحداث التاريخية والصراع الإنساني، ما أضفى على العمل طابعًا ملحميًا مؤثرًا.
رابعًا: الرؤية الفنية:
تميز الفيلم بديكورات ضخمة وملابس تاريخية دقيقة نسبيًا قياسًا بإمكانات السينما العربية في تلك الفترة. كما لعبت الموسيقى التصويرية دورًا بارزًا في تعزيز البعد الملحمي وإثارة مشاعر الحماسة والانتماء. أما مشاهد المعارك، فرغم بساطتها التقنية مقارنة بالمعايير الحديثة، فإنها كانت معبّرة وذات تأثير قوي على المتلقي.
خامسًا: الرسائل والدلالات
يحمل الفيلم عدة رسائل أهمها:
الدفاع عن الهوية الإسلامية في وجه الغزو الخارجي.
التأكيد على أن الإيمان والعدل هما أساس النصر.
التحذير من خطورة الانقسام الداخلي والطمع في السلطة.
إبراز قيمة التضحية في سبيل المبدأ.
سيظل فيلم «واإسلاماه» عملًا سينمائيًا ذا قيمة تاريخية وفكرية كبيرة، ليس فقط لأنه يوثق مرحلة مفصلية من التاريخ الإسلامي، بل لأنه يقدم رؤية إنسانية عميقة لمعنى القيادة والمسؤولية. ورغم مرور عقود على إنتاجه، ما زالت رسائله صالحة لكل زمان، تؤكد أن الأمم لا تُهزم إلا إذا فقدت وحدتها وإيمانها بقيمها.
